العدالة الكامنة في نسيج الوجود - إيمان أبو شاهين يوسف

الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف


منذ فجر التاريخ، شغلت مسألة العدالة تفكير الإنسان، الذي راح يطرح الأسئلة علّه يجد الإجابة عبر ملاحظاته وتجاربه:

لماذا ينجح الظلم أحيانا ويسود؟

ولماذا يتألم البريء؟

وهل للكون ميزان خفي يعيد التوازن حين تختل الموازين؟

هذه الأسئلة لم تكن دينية وحسب، بل كانت فلسفية أيضاً. 

فقد رأى الفيلسوف اليوناني أفلاطون أن الظلم ليس مجرد اعتداء على الآخرين، بل هو اضطراب يصيب النفس ذاتها. 

ففي كتابه الجمهورية يُجادل بأن الإنسان الظالم يبدو قويّاً من الخارج، لكنه يعيش انقساماً داخلياً يجعله أبعد ما يكون عن السعادة الحقيقية. فالعدالة في نظره، ليست قانوناً اجتماعيّاً فقط، بل حالة انسجام بين قوى النفس.

وبعد قرون، رأى الفيلسوف الإلماني إيمانويل كانط أن وجود العدالة ليس مجرد رغبة أخلاقية، بل ضرورة عقلية. 

فالضمير الإنساني يحمل في داخله شعوراً بأن الخير ينبغي أن يقترن بالإستحقاق، وأن الظلم لا يمكن أن يكون الكلمة الأخيرة في الوجود. ومن هنا نشأت فكرة أن العدالة تتجاوز أحياناً حدود ما نراه في حياتنا اليومية.

أما الفيلسوف الإلماني هيغل فقد نظر الى التاريخ نفسه بوصفه مسرحاً لتصحيح الإختلالات. فالقوى التي تتجاوز حدودها وتتحول الى استبداد تحمِل في داخلها بذور تناقضها، وما إن تبلغ ذروة قوتها حتى تبدأ عوامل تفككها بالظهور. 

وكأن التاريخ، على المدى البعيد، يُمارس نوعاً من التصحيح الذاتي.ولم تقتصر هذه الفكرة على الفلسفة. 

ففي علم الاجتماع، أظهرت تجارب الأمم أن الأنظمة القائمة على القمع والفساد قد تنجح لفترات طويلة، لكنها تستهلك بالتدريج عناصر بقائها. 

فحين يُستَبدل القانون بالخوف، والثِقة بالإكراه، والعدالة بالمصلحة، تبدأ البنية الاجتماعية بفقدان تماسكها. وقد وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الشرعية بأنها أساس الاستقرار. 

فإذا تآكلت الشرعية، ضَعُفت قدرة السلطة على الإستمرار مهما امتلكت من أدوات القوّة.أما علم النفس الحديث فيشير إلى أن الإنسان الذي يُمارس الظلم بصورة مستمرة لا يبقى كما كان. 

فلكي يُحافظ على صورته عن نفسِه، يضطر الى تبرير أفعاله، وإنكار أخطائه، وتضييق التعاطف في داخله. ومع الزمن يتحول هذا السلوك الى عِبءٍ نفسي وأخلاقي يعيد تشكيل شخصيته وعلاقاته ونظرته الى العالم.

لهذا فإن العدالة ليست دائماً حدثاً مفاجئاً ينزِل من السماء في لحظة واحِدة، بل هي عملية مستمرة تعمل داخل الأفراد والمجتمعات والتاريخ نفسه. إنها أشبه بقانون تراكمي. فكل فعل يترك أثراً، وكل أثر يُصبِح سبباً لنتائج جديدة، حتى تتكون في النهاية شبكة معقّدة من العواقب لا يستطيع أحد الإفلات منها بالكامل.

صحيح أن التاريخ لا يُقدِّم لنا صورة مثالية عن انتصار العدالة في كل زمان ومكان، وصحيح  أن كثيراً من الظالمين ماتوا قبل أن يروا نتائج أفعالهم كاملة، لكن الملاحظة الطويلة لمسار الحضارات تكشِف حقيقة يصعب تجاهلها: 

إن الظلم قد يحقق مكاسب سريعة، لكنه نادراً ما ينجح في بناء استقرار دائم. ذلك لأن القوّة تستطيع أن تفرض الطاعة، لكنها لا تستطيع أن تخلق الشرعية، والخوف يستطيع أن يُسكِت الأصوات، لكنه لا يستطيع أن يصنع الثقة.ومن هنا تأتي الرسالة الى كلِّ من يُفسِد في الأرض ويعيث ظلماً:                                                

لا تنخدع بالمهلة التي يمنحُك إياها الزمن. فالتأخر ليس إلغاء، والصمت ليس موافقة، والقوّة ليست برهاناً على الحق. إنك حين تظلِم غيرك لا تغيِّر مصيره وحده، بل تبدأ في اللحظة نفسها بتغيير مصيرك أنت أيضاً. وما تزرعه في نسيج المجتمع، يعود إليك عبر الطرق التي لا تتوقعها.