
الكاتبة والباحثة الاستاذة أيمان أبو شاهين يوسف
حين يَثْْقُل الليل بأنفاسه الأخيرة، ويكاد الصمت يطغى على العالم كطيف خفيّ، يبدأ الأفق البعيد بالتحوّل بخفة ورشاقة، ومن خلفه يظهر أول خيط من خيوط النور الصباحي، رفيع شفّاف ، كخيط ماء فضّي، يمتدّ على حافة السماء بهدوء لا يَعرف العجلة، كأنه وعدٌ سرمدي بأن النهار قادم.
يتسع خيط النور شيئاً فشيئاً، فتتلوّن السماء بألوان الفجر الملوكية: ورديٌّ خجول، عقيقيٌّ داكن، ولمعة ذهبية جاذبة، كابتسامة الكون الآولى بعد سبات الليل الطويل.
تتراجع العتمة برفق ولطافة، كعاشقة ودَّعت السكون العتيق، تاركة المجال لرقصة الضوء على صدرالغيوم، ومن مسرح الأرض تراقبها قطرات الندى وهي تتلألأ فوق العشب مثل نجوم صغيرة هبطت لتستقر في حضن الأرض، ومن فوقها ترتجف أوراق الأشجار مع خفقة أول نسيم، وتتشابك خيوط الشمس الذهبية مع التراتيل الأولى للعصافير، فيتحول المدى الى معبد للصلاة الصامتة إجلالا وخشوعا للنور. في هذه اللحظة المعلّقة بين النوم واليقظة، يبدو العالم وكأنه يستعد لولادة جديدة، وانبثاق فجر يوم يوقظ الروح مع خفقة الضوء الأولى.
لم يخرج نور الصباح من مخبئه البعيد، لا بعنف ولا بصخب، بل بانسياب لطيف يشبه صلاة طُهْرٍ صامتة، وقد امتدت خيوطه الذهبية فوق التلال الحانية والحقول الغنية والطرقات المتشعبة، وهي تلامس الأغصان برفق وحنان، وتوقظ الطيور من سكونها الطويل، وكأنها تعرِف أن الحياة بدأت تنبض من جديد: النسيم يبدأ اللعب مع الضوء، فتتحرَّك الأغصان مغطبتة، وتلمع قطرات الماء وضاءة كوجه البدر، فتبدو الأرض وكأنها صفحة بيضاء تستقبل أول حروف النهار.
في هذا المشهد الهادئ، يبدو نور الصباح كعابد يسير في خشوع، يحمل في يده قنديل الصفاء، ويمضي في ربوع الأرض الواسعة، كمن يزرع بذوراً نوارانية للحركة والحياة، وكلما لا مس شيئاً أيقظ فيه إرادة الحياة؛ أيقظ العزم في يد العامل، وشغف السؤال في عقل الطالب، وفي قلب الإنسان أيقظ رغبة الشراكة الحيّة مع الجمال المنتشر في كلّ مكان.
ولو كان للصباح صوتُ يسمعه البشر، لقال لهم بهدوء الحكيم العارف: لا تجعلوا يومكم مجرد عبور بين ساعة وساعة، بل اجعلوه أثراً يُضاف الى جمال الوجود. إفتحوا قلوبكم كما تفتح الأرض صدرها للشمس.
ازرعوا في خطواتكم عملاً نافعاً، وفي كلماتكم لطفاً يخفف عن الآخرين أعباء الطريق. اجعلوا عقولكم نوافذ للمعرفة، وأرواحكم أشرعة تبحر في بحر الحرية، بعيداً عن السكون والخضوع لكل قيد يعيق فرح الحياة. ويمضي الضوء في رحلته الصامتة، فيوقظ المعاول في أيدي العمّال، ودفاتر التلاميذ في المدارس، ويُحَرِّك الأفكار النائمة، ويوقظ القلوب المتعبة.
وفي كلّ مكان يترك بذرة حركة، كأنه يقول للعالم: الحياة لا تزدهر بالإنتظار، ولا تتجدّد بالأماني، بل بالإرادة التي ترفض الإستسلام، وبالعمل الذي يجعل للوجود معنى.
ومع ارتفاع الشمس في صفحة السماء، يمتد الضوء ليغمر الأرض كبحرٍ من ذهب، فيتسلّل الى القلوب والعقول، ويتحوَّل داخل الإنسان الى نور يشعل إرادة الحياة، ويوقظ شغف العمل، ويدفع نحو صباح الحرية.
وهنا عند ذروة اللقاء بين نور السماء ونور القلب، يكشف الفجر عن سريرته ليقول: أن ضوء الصباح ليس مجرد بداية نهار، بل رسالة متجددة تقول للإنسان: أيها الإنسان إنهض، لتكن نوراً في قلب العالم، وإرادة حياة في هذا الوجود. واسعَ وراء الحرية كما يسعى النور نفسه الى كلّ مكان.
اجعل كلّ خطوة من خطواتك صلاة، وكلّ عملٍ بذرة محبة، وكلّ نبضة قلب شعاعاً يُحَوِّل الحياة الى عالم أرحب وأجمل، حتى يخرج من الفجر الخافت نهار دائم يسكن روحك، ويصْبِح قلبك معبداً للنور والمعرفة والعمل الصادق.
فالصباح الحقيقي ليس فقط في السماء، بل في الإنسلان الذي يَقبله، ويُضيء به طريق الحياة، ويصنع منه نوراً دائما.