
الكاتبة لينا صياغة
ليست الموضة دائمًا ثوبًا جديدًا أو لونًا رائجًا، بل قد تكون فكرةً، أو سلوكًا، أو نمطًا من العيش يتسلل إلى العقول حتى يغدو مألوفًا، فيظن الإنسان أنه اختاره بحرية، بينما هو في الحقيقة يعيد تكرار ما اختاره الآخرون قبله.
فالإنسان لا يعيش دائمًا وفق وعيه، بل كثيرًا ما يعيش وفق البرمجة التي تحيط به. يخشى أن يختلف، ويخاف أن يبدو غريبًا، فيستعير رغبات غيره، ويعتنق قناعات لم يختبرها، ويخوض تجارب قد تؤذيه نفسيًا أو جسديًا أو روحيًا، لا لأنها تحقق له الخير، بل لأنها أصبحت «موضة».
وما أخطر أن تتحول الحاجة إلى القبول إلى سجن، وأن يصبح الانتماء إلى القطيع أهم من الإنصات إلى الذات.
فكم من إنسانٍ خسر صحته، أو راحته، أو قيمه، وهو يظن أنه يواكب العصر، بينما كان يبتعد عن نفسه شيئًا فشيئًا.
إن أكثر أنواع البرمجة خفاءً ليست تلك التي تُفرض بالقوة، بل تلك التي تجعل الإنسان يعتقد أن ما يفعله نابع من إرادته، بينما هو مجرد صدى لما يراه ويسمعه ويتكرر أمامه حتى يعتاده.
الوعي ليس أن نرفض كل جديد، ولا أن نعادي كل ما يفعله الناس، بل أن نتوقف لحظة ونسأل أنفسنا: هل هذا الاختيار يشبهني حقًا؟ هل يضيف إلى حياتي معنى، أم أنني أتبناه فقط لأن الجميع يفعلونه؟
فالإنسان الحر لا يقاس بمدى مواكبته للموضة، بل بقدرته على النجاة من سحرها، والاحتفاظ بعقله حين يفقده الآخرون، وبشجاعته في أن يكون نفسه، حتى لو سار وحيدًا.
فليس كل ما ينتشر حقيقة، ولا كل ما يصفق له الناس حكمة؛ فالجموع تصنع الموضة، أما الوعي فيصنع الإنسان.