
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
صباح وُلِد من رحم الضياء بعد مخاض عسير مع ما تبقّى من عتمة الليل. الشمس أشرقت، وأرسلت أشعتها الى الكون، لتوقظه برفق من سكونه وسباته ، معلِنة لكل كائن بأن الحياة بدأت تكتب صفحة جديدة.
النسيم كان يمرُّ بين أغصان الأشجار بلطف وحنان، فتتمايل الأوراق في تناغمٍ عجيب، بينما الأزهار قد رفعت رؤوسها لتستقبل الضوء في زهوٍ وحبور، مزدانة بألوانها وروائحها التي ملأت المكان بعطر لا تدركه الأبصار، بل تتلقاه النفوس.
أما العصافير، فقد جعلت من السماء مسرحاً لأغانيها، تنتقل من غصن الى آخر بخفةٍ وفرح، وكأنها تُعلن أن الحياة لا تزال قادرة على أن تبتسم رغم ما فيها من صخبٍ وألم.
وبين هذا الجمال الهادئ، استوقفني مشهد صغير، متواضعٌ في صورته، عظيمٌ في دلالته: نحلة كانت تنتقل في نظام مدهش بين الأزهار، تجمع الرحيق بصبر لا يعرف الملل، ثمّ تُغادِر محمّلة بما جمعته، لتعود الى القفير، حيث يتحوّل ذلك الرحيق بجهد جماعي الى عسلٍ يقتات عليه الجميع.
وعلى مقربة منها، كانت فراشة بيضاء تحط على زهرة ياسمين، تمتص من رحيقها ما يكفيها، ثمّ ترفرف في الهواء بخفّةٍ، وكأنها لا تحمِل همّاً إلا أن تستمتع بذلك النهار الجميل.
ثأملت المشهد طويلاً، ثمّ وجدت سؤالاً يلحُّ عليَّ في رأسي: لماذا تتعب النحلة فيما تعيش الفراشة؟ ولماذا تجمع الأولى ما لن تأكله وحدها، بينما تكتفي الثانية بما يُشبِع حاجتها ثمّ تمضي؟ في البداية بدا الأمر وكأنه مجرّد اختلاف في طبيعة مخلوقين. غير أن السؤال أخذ يتجاوز حدود الطبيعة شيئاً فشيئا، حتى شعرت أنني لم أعد أنظر الى مجرّد نحلة وفراشة، بل إلى صورتين مختلفتين للإنسان نفسه.
كلتاهما تبدأان من الزهرة ذاتها، وتشربان من الرحيق نفسه، لكن الرحيق لا يبقى هو الرحيق بعد أن تلمسه كلّ واحدة منهما.
في حياة الفراشة، ينتهي الرحيق عند حدود الجسد؛ فهو غذاء يمنحها القدرة على مواصلة الطيران، ثمّ ينتهي أثره بانتهاء اللحظة.
أما عند النحلة، فإن الرحيق يبدأ حيث ينتهي عند الفراشة؛ إذ يتحول الى عمل، ثمّ الى عطاء، ثمّ الى غذاء ودواء تبقى فائدته بعد أن تنتهي رحلة النحلة نفسها. وهنا أدركت أن الفرق الحقيقي ليس فيما تأخذه كلٌّ منهما من الطبيعة، وإنما فيما تصنعه بما أخذته.
أليست هذه هي قصة الإنسان أيضا؟ فالناس جميعاً يولدون في العالم نفسه، ويتنفسون الهواء ذاته، ويشربون من نهر الحياة الواحد، لكنهم لا يغادرونه بالطريقة نفسها. هناك من يمرّ في الحياة مستهلكاً لكل ما تمنحه له، فلا يترك وراءه إلاّ أثر خطواته، هذا إذا كانت واضحة.
وهناك من يحوِّل كلّ ما يتلقاه الى شيء يبقى بعده؛ الى علمٍ، أو فكرةٍ، أو حضارةٍ، أو كلمة طيبة تُغيّر حياة إنسان آخر. ولعلّ الحضارات نفسها لم تُبْنَ إلاّ على أكتاف أولئك الذين عاشوا بعقل النحلة أكثر مما عاشوا بغريزة الفراشة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نظلم الفراشة. فلو كانت الحياة عملاً متواصلاً بلا لحظة جمال، لتحوّلت الى آلة باردة. والفراشة تذكرنا بأن الوجود ليس إنتاجاً فحسب، بل هو أيضاً تأمل، وفرح، وقدرة على أن نتذوق جمال زهرة دون أن نفكر دائماً فيما سنجنيه منها. إنها تقول لنا: أن الإنسان لا يعيش بالواجب وحده، كما لا يعيش بالخبز وحده. ومن هنا، فإن الخطأ لا يكمن في الفراشة، ولا في النحلة، بل في أن يتحوّل الإنسان الى واحدة منهما وحدها.
فإذا عاش عمره كلّه نحلة، ربما أنهكه العطاء حتى نسي نفسه ونسي أن للحياة وجهاً جميلاً يستحق التأمل.
وإذا عاش عمره كلّه فراشة، فقد يملأ أيامه بالمتعة، لكنه قد يكتشف في آخر الطريق أنه لم يترك وراءه ما يدلّ على أنّه مرَّ من هنا. ولعلَّ أعظم ما يميّز الإنسان عن سائر المخلوقات أنه قادر على أن يجمع بين الفضيلتين معاً؛ أن يعمل بإخلاص النحلة، لكنه لا يفقد دهشة الفراشة.
وأن يحمل مسؤولية البناء، دون أن يعجز عن رؤية زهرة تتفتح في الصباح ويشمّ عبق رحيقها الطيّب. أن يكِدَّ من أجل الآخرين، لكنه يعرف أيضاً كيف يُصغي الى موسيقى العصافير، وكيف يفرح بنسمة عابرة، وكيف يمنح قلبه شيئاً طيّباً، قبل أن يعود الى رسالته التي يكرِّس حياته من أجلها.
عندها فقط يصبح العمل إنسانيّاً، ويصبح الفرح مسؤوليّة، ويغدو العطاء امتداداً للحياة لا نقيضاً لها.
بعد أن غادرت ذلك المكان، لم أعد أنظر الى النحلة والفراشة كما كنت في بداية النهار. لقد أدركت أن الطبيعة لا تعرض علينا مجرّد مشاهد جميلة، بل تُقدم لنا دروساً صامتة، وأن الكائنات الصغيرة قد تحمل من الحكمة ما لا تحمله الكتب الكثيرة.
ومنذ ذلك الصباح، كلما رأيت نحلة تجمع الرحيق، أو فراشة ترقص فوق زهرة، عاد إليَّ السؤال من جديد: أي أثرٍ سأتركه أنا بعد أن أرتشِفَ نصيبي من رحيق الحياة؟؟؟