
الكاتب الدكتور عماد الاعور
"ذاكَ السّرُّ الذي يُحرِّكُ القدَر"في أعماقِ الوجودِ، حيثُ لا تُرى الحقائقُ بالعينِ ولا تُدركُ بالمادَّةِ، يسري قانونٌ إلهيٌّ خفيٌّ، قانونٌ لا يُعلنُ في المحاكمِ ولا يُوثَّقُ في السِّجلّاتِ، لكنَّهُ يساهمُ في صنع مصائر النَّاسِ ويرسمُ مساراتِهم… إنَّهُ قانونُ النيَّةِ.
هل الفعلُ بنفسِهِ ما يُوزنُ في ميزانِ الحقِّ؟ او ما يكمنُ خلفَهُ من صِدقٍ أو زيفٍ؟ فكمْ من عطاءٍ ظاهرهُ الكرمُ وباطنهُ الرِّياءُ، وكمْ من كلمةٍ صادقةٍ بدَت هيِّنةً، وهيَ في السَّماءِ كَالذِّكْرِ المُقدَّس! النيَّةُ جوهرُ الفعلِ، ومنها يتحدَّدُ مصيرُه.
النيَّةُ… العدسةُ التي ينظرُ بها اللهُ إلى القلوبالإنسانُ يُحاكمُ الأفعالَ، ولكنَّ اللهَ يُحاكمُ النَّوايا.
يُعطي رجلٌ مئةَ درهمٍ، ويُعطي آخرُ درهماً واحداً، فيكونُ الدِّرهمُ أعظمَ عندَ اللهِ من ألفِ مئةِ درهمٍ.
لماذا؟ لأنَّ النيَّةَ فيهِ كانت أطهرَ، والعطاءَ خالصاً من كلِّ زيفٍ.
وهكذا، يتساقطُ زخرفُ الأعمالِ في ميزانِ القُدُسِ، ويتبقى في الكفَّةِ فقط ما سمَت بهِ النّيَّةُ وتجرَّدَ عن الغاياتِ الدُّنيويَّةِ.
النّيَّةُ… أصلُ المسارِ وحبلُ القَدَركلُّ شيءٍ في الحياةِ يبدأُ بالنّيَّةِ، حتَّى وإن لم نلفظْها بالكلماتِ. إنَّ ما نَنْوِيهِ هو ما يسوقُنا، يُوجِّهُ خُطانا، ويرسمُ أقدارَنا، كمن يضعُ بذرةً في ترابٍ خفيٍّ، فتثمرُ يوماً ما، شاءَ أو أبى.
إنَّما الأعمالُ بالنيَّات.
من نوى شرّاً وأخفاهُ في صدرِهِ، سيُولدُ ذاكَ الشَّرُّ في حياتِهِ ويُحاصرُه، ومن نوى خيراً سيلقاهُ وإن أغلقَت الدُّنيا أبوابَها.
لهذا، فالنّيَّةُ ليست مجرَّدَ خاطرٍ عابرٍ، إنَّها أمانةٌ تُكتبُ في الكونِ، ويُشاهدُها اللهُ قبلَ أن نشاهدَ أثرَها.
النّيَّةُ… المِرآةُ التي ينعكسُ فيها النُّورإذا أردتَ أن تعرفَ أحداً، فلا تنظرْ إلى ما يفعلُه، بل إلى ما يحملُهُ في قلبِه. فالأعمالُ تتشابهُ، ولكنَّ ما يفصلُ النُّورَ عن العتمةِ هو النّيَّةُ. النّيَّةُ نورٌ إذا صفَت، وظلمةٌ إذا تشوَّهت. فمن صفَّى نيَّتَهُ، وجعلَها خالصةً للحقِّ، فهو في سلامٍ مع نفسِهِ ومع العالَم.
ولِهذا، كانَ العارفونَ يقولونَ: "صفِّ النّيَّةَ ونَمْ بالبريَّةِ"، فما من شرٍّ يُصيبُ قلباً نقيّاً، وما من خيرٍ يضلُّ عن قلبٍ صادقٍ.
النّيَّةُ… سرٌّ من سرِّ اللهِ في الإنسانالنيَّّةُ كَالرُّوحِ والمحبّة، لا تُرى ولكنَّها تُحرِّكُ الحياةَ. هي نفحةٌ إلهيَّةٌ في جوهرِ الإنسانِ، تُعبِّرُ عن طهارتِهِ أو دنسِه، وتُشكِّلُ خطَّهُ المصيريَّ دونَ أن يدري. من نوى صادقاً، كانت نيَّتُهُ سُلَّماً يصلُهُ بالسَّماءِ، ومن نوى غادراً، كانت نيَّتُهُ سلسلةً تسحبُهُ إلى الظُّلماتِ.
هكذا، تكونُ النّيَّةُ أشبهَ ببذرةٍ تزرعُها في ترابِ القَدَرِ، فإن كانت طيِّبةً، أثمرت خيراً، وإن كانت خبيثةً، أثمرت وبالاً.
النّيَّةُ… جوهرُ العبادةِ وسرُّ الرُّوحإنَّ النيَّةَ ليست مجرَّدَ كلمةٍ تُلفظُ على اللِّسانِ، ولا مجرَّدَ فعلٍ يُؤدَّى في الجوارحِ، إنّها هي جوهرُ العبادةِ وروحُها الحيَّةُ. فكلُّ حركةٍ وكلُّ سكونٍ، وكلُّ رفرفةٍ للرُّوحِ، تبدأُ من النيَّةِ، وتُختتمُ بها. إنَّ العبادةَ الحقيقيَّةَ هي تلكَ التي تنبعُ من نيَّةٍ صافيةٍ، نيَّةٍ لا يشوبُها رياءٌ ولا شائبٌ، تُوجَّه كُلُّها إلى اللهِ، لا لشيءٍ سوى ابتغاءِ رضاهُ.
إذا كانت العبادةُ تقاليدَ وشعائرَ، فالنّيَّةُ هي مفتاحُها، وتلكَ التي تُحدِّدُ قبولَها أو ردَّها. النّيَّةُ هي سرُّ الرُّوحِ الذي يُسرعُ بهِ الطَّائعُ إلى خالقِهِ، فهي تخرجُ من القلبِ وتغسلُها من كلِّ ما قد يشوبُها، لتجعلَ الفانيَ في حالةِ اتِّصالٍ عميقٍ مع اللهِ، حيثُ يؤدِّي عبادتَهُ لا طلباً لجائزةٍ دنيويَّةٍ، بل لابتغاءِ وجهِ اللهِ ورؤيتِهِ.
في هذا السِّياقِ، النّيَّةُ تُنبئُ عن درجةٍ عليَّةٍ من الصِّدقِ والإخلاصِ، إذ إنَّ العبادةَ قد تتَّخذُ صوراً مختلفةً وأشكالاً متنوِّعةً، لكنَّ النيَّةَ هي التي تجعلُها أداةً لصلاحِ النَّفسِ وسُلَّماً للوصولِ إلى الكمالِ. حينما ينوي المُريدُ التَّقرُّبَ إلى اللهِ بكلِّ جوارحِهِ، تُصبحُ عبادتُهُ قُرباً من المعبودِ، لا مَسعىً من أجلِ دنيا أو مَكسبٍ، بل رحلةً روحيَّةً تزدادُ عُمقاً وحكمةً.
ولذلكَ، النّيَّةُ هي سرُّ اليقينِ في العبادةِ، وهي التي تجمَعُ القلبَ وتُنظِّمُ الرُّوحَ، فلا تشوِّشُها الأهواءُ ولا تشتتُها المشاعرُ. فكلُّ ما يصدرُ عن نيَّةٍ صافيةٍ في العبادةِ، سواءً كان صلاةً أو صياماً أو صدقةً، فإنَّهُ يُقرِّبُ المُريدَ إلى اللهِ، ويُصبحُ بذلك طريقاً للسَّلامِ الدَّاخليِّ والرَّاحةِ النَّفسيَّةِ.
إذَنْ، النّيَّةُ هي روحُ العبادةِ، وهي سرُّ تلاقي الرُّوحِ مع ذاتِها ومع خالقِها، وكأنَّ العبادةَ في عُمقِها سعيٌ وراءَ تنقيةِ النيَّةِ، لتنقلبَ إلى نورٍ يُضيءُ الفؤادَ ويرتقي بهِ إلى سماءٍ من الإيمانِ والعرفانِ.
فكيفَ تكونُ إلا كما تنوي؟