
د. غسان الدمشقي ناشط اجتماعي وسياسي،
ناشط حقوقي وباحث علمي نشطاء بلا حدود
مقدمة:
عندما تتحول الهوية من معنى إلى ملاذ الهوية ليست مجرد انتماء اجتماعي أو خصوصية ثقافية، بل هي الإطار الذي تتشكل ضمنه علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. وحين تعجز الهوية عن إنتاج معنى متجدد لوجودها، تتحول من فضاء للانفتاح إلى ملاذ دفاعي، ومن مشروع تاريخي إلى رد فعل على التاريخ.في هذا المعنى، تبدو الهوية الدرزية إحدى أكثر الهويات تعقيداً في المشرق العربي.
فقد نشأت بوصفها رؤية توحيدية عقلانية، قوامها التنزيه والعدل ووحدة الحقيقة الإنسانية، لكنها وجدت نفسها، تحت ضغط التحولات السياسية وتعاقب دورات العنف، تنكفئ تدريجياً من أفقها الفلسفي الرحب إلى إطار طائفي دفاعي، تحكمه ضرورات البقاء أكثر مما تحكمه مقاصد الرسالة.
ولعل أحداث تموز 2025 في السويداء لم تكن مجرد مأساة إنسانية عابرة، بل لحظة كاشفة لأزمة أعمق تتعلق بموقع المجتمع الدرزي في المشرق، وبالسؤال الوجودي الذي يواجهه: هل يكتفي بدور الأقلية التي تبحث عن الحماية، أم يستعيد موقعه بوصفه حاملاً لمشروع ثقافي وإنساني يتجاوز حدود الانغلاق الطائفي؟
إن الخروج من هذا المأزق لا يمكن ان يتحقق باستدعاء أمجاد الماضي أو الارتهان لمعادلات القوة، و انما بإعادة اكتشاف الجوهر الفلسفي للتوحيد، وتحويله إلى مشروع سياسي وأخلاقي معاصر، قادر على الإسهام في بناء دولة المواطنة والعيش المشترك.
أولاً: أزمة الهوية بين الفكرة والتاريخ
- من الرسالة إلى الطائفة:لم تكن الدعوة التوحيدية، في اساسها ، مشروعاً مغلقاً، بل رؤية عقلية وأخلاقية تسعى إلى تحرير الإنسان من أسر الظاهر، وإخضاع السلطة والمعرفة لمعيار العقل والعدل. غير أن ظروف التاريخ، بما حملته من اضطهاد وصراعات،
دفعت المجتمع الدرزي إلى بناء آليات دفاعية ضمنت البقاء، لكنها أسهمت، بمرور الزمن، في تضييق الأفق الفلسفي للهوية.وهكذا، تحول ما كان مشروعاً معرفياً إلى بنية اجتماعية مغلقة، وأصبح الحفاظ على الوجود غاية تتقدم على إنتاج المعنى، وانتقلت الهوية من فضاء الرسالة إلى منطق الطائفة، ومن السؤال الفلسفي إلى هاجس الحماية.
- أزمة القيادة وإعادة إنتاج الدفاع:لم تفضِ البنى التقليدية التي حكمت المجتمع الدرزي إلى إنتاج مشروع تاريخي جديد، بقدر ما كرست إدارة الأزمات بمنطق التوازنات.
فالزعامة الوراثية والمرجعيات التقليدية، رغم دورها التاريخي في حماية المجتمع، لم تستطع أن تتحول إلى مؤسسات حديثة قادرة على إنتاج رؤية استراتيجية للمستقبل.
ومن ثم، بقيت السياسة رهينة ردود الأفعال، وظل الهم الأمني يتقدم على بناء المؤسسات، فيما انحصر دور الهيئات الدينية والاجتماعية في حماية الكيان أكثر من إنتاج الفكر.
- الارتهان لصراعات الآخرين: بفعل موقعهم الجغرافي وخصوصيتهم التاريخية، وجد الدروز أنفسهم، مراراً، موضوعاً لتجاذبات المشاريع المتنافسة؛ من السلطنة العثمانية إلى الأنظمة العسكرية المتتابعة، ومن الحركات الأيديولوجية إلى القوى الإقليمية والدولية. وفي كل مرة، كان المجتمع الدرزي مطالباً باختيار أهون الشرور، لا بصياغة مشروعه الخاص.
وهكذا، تحولت الأقلية إلى رهينة لموازين القوى، وفقدت القدرة على المبادرة، مكتفية بإدارة المخاطر بدلاً من صناعة المستقبل.
ثانياً: استعادة الجوهر الفلسفي للتوحيد:
إن تجاوز الأزمة الراهنة لا يمر عبر تعزيز العصبية الطائفية، بل عبر العودة إلى المبادئ المؤسسة التي منحت التجربة الدرزية خصوصيتها التاريخية.
- العدل الإلهي بوصفه عدالة إنسانية؛ لا يكتمل الإيمان بالعدل الإلهي ما لم يترجم إلى عدالة على الأرض. فالظلم، مهما كانت شرعيته السياسية أو الدينية، يناقض جوهر التوحيد. ومن هنا، يصبح الدفاع عن دولة القانون والمؤسسات، وعن المساواة بين المواطنين، وعن توزيع عادل للسلطة والثروة، امتداداً طبيعياً للإيمان، لا مجرد خيار سياسي.
- التنزيه المطلق وأفق الدولة المدنية: إذا كان الله منزهاً عن التشبيه، فإن السلطة البشرية لا يمكن أن تكون مقدسة.
ولذلك، فإن إخضاع السياسة للنقد والمساءلة، وفصل المجال الديني عن المجال السياسي، لا يمثلان خروجاً على الروح التوحيدية، بل تجسيداً لمبدأ التنزيه نفسه.
فالدولة المدنية ليست نقيض الإيمان، بل الضمانة الوحيدة لتحرير الدين من التوظيف السياسي، ولحماية التعددية بوصفها شرطاً للحرية.
- وحدة الحقيقة والتعددية الإنسانية: تنطلق الفلسفة التوحيدية من الإقرار بوحدة المصدر الروحي للإنسانية، ومن أن تعدد الشرائع لا يلغي وحدة المقصد الأخلاقي. ومن هنا، فإن الاعتراف بالآخر لا يقوم على منطق التسامح المشروط، بل على وعي عميق بأن الحقيقة أوسع من أن تحتكرها جماعة أو أمة أو دين.إن المستقبل لا يبنى بالعزلة، بل بإقامة شراكات مع كل القوى المؤمنة بالعقل والحرية والكرامة الإنسانية.
- العقل بوصفه طريقاً إلى التحرر: لقد وضعت الدعوة التوحيدية العقل في مركز التجربة الإنسانية، وجعلت المعرفة شرطاً للخلاص. ولذلك، فإن استعادة هذا الإرث تقتضي تجاوز الشخصانية والزعامات الكاريزمية، وترسيخ ثقافة المؤسسات والمساءلة والديمقراطية، وإعادة وصل المجتمع الدرزي بالحركة الفكرية والإنسانية المعاصرة.
ثالثاً: مسؤولية نخب المهجر وآفاق المستقبل
إذا كانت الجغرافيا قد فرضت قيودها على المجتمعات المحلية، فإن نخب المهجر تمتلك فرصة تاريخية لتحويل المأساة إلى مشروع.و المطلوب اليوم إعادة تقديم الهوية الدرزية للعالم، لا باعتبارها أقلية غامضة أو مجتمعاً منغلقاً، بل بوصفها تجربة فكرية وروحية ساهمت، عبر قرون، في إنتاج نموذج خاص من الاعتدال والعقلانية والتعايش.
كما تبرز الحاجة إلى بناء فضاءات حوار وتحالف مع النخب الفكرية والقوى المدنية في المنطقة والعالم، بهدف تأسيس تيار واسع يدافع عن العلمانية السياسية، ودولة المواطنة، والعدالة الاجتماعية، ويؤمن في الوقت نفسه بحق الهويات الثقافية في الحفاظ على خصوصيتها واحترامها.
أما داخلياً، فإن الانتقال من منطق الزعامة التقليدية إلى منطق المؤسسات والكفاءة والمشاركة الديمقراطية، لم يعد ترفاً فكرياً، بل شرطاً لبقاء المجتمع واستمراره.
خاتمة:
من هاجس البقاء إلى مشروع المعنى
إن التحدي الذي يواجه الدروز اليوم ليس تحدي الوجود البيولوجي فحسب، بل تحدي المعنى. فالهويات لا تموت حين تتعرض للاضطهاد، بل حين تفقد قدرتها على تجديد رسالتها التاريخية.
والدروز، في جوهر تجربتهم، ليسوا مجرد أقلية تبحث عن ملاذ، بل حاملون لتراث فلسفي وأخلاقي يستطيع أن يسهم في بناء مستقبل أكثر إنسانية.فالخلاص لا يكمن في الاحتماء بالجغرافيا، ولا في إعادة إنتاج مخاوف الماضي، بل في الانتقال من منطق الدفاع إلى منطق المبادرة، ومن الانكفاء إلى المشاركة، ومن الطائفة إلى الفكرة.
فالهوية التي لا تتحول إلى مشروع أخلاقي وإنساني، تبقى أسيرة التاريخ؛ أما الهوية التي تعيد إنتاج ذاتها في ضوء قيم الحرية والعقل والعدالة، فإنها تتحول إلى أفق مفتوح، لا لأبنائها وحدهم، بل لكل من يبحث عن الكرامة والسلام.فنحن لسنا أقلية تبحث عن الحماية، بل فكرة تبحث عن المستقبل. والأفكار لا تحميها الجبال والحدود، و انما يحميها تجددها الدائم وقدرتها على خدمة الإنسانية.