الهوية بين سؤال الذات ورقم الدولة - أ. إيمان أبو شاهين يوسف

الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف


ما الذي يجعل الإنسان يقول: "أنا"؟

 أهو الإسم الذي نحمله، أم الذاكرة التي تسكننا، أم نظرة الآخرين إلينا؟ 

وهل الهوية شيء نمتلكه، أم شيء يتشكّل فينا ببطء، كما يتشكّل الضوء في الفجر؟ ثمّ لماذا نحتاجها أصلاً؟ 

ألن يكفي أن نكون موجودين؟ لكن الوجود وحده صامت، والهوية هي صوته. 

هي ما يمنح الإنسان موقعاً في العالم، ويمنحه في الوقت نفسه شعوراً خفيّاً بالثبات وسط تغيّر كلّ شيء. 

من دونها، يصبح الإنسان كائناً عابراً بلا أثر، ومعها يصبح كائناً يروي نفسه ويُعرَف ويَعرِف. غير أن الهوية لم تكن يوماً معطىً جاهزاً. 

إنها رحلة طويلة بدأها الإنسان منذ أن خطا أولى خطواته على الأرض، ولم تنتهِ بعد. في البدايات الأولى، قبل التاريخ، لم يكن الإنسان فرداً بالمعنى الذي نعرفه اليوم. كان جزءاً ذائباً في جماعته، يعيش داخل "نحن" واسعة ( القبيلة، الدم، الأرض). 

لم يكن يقول "أنا" بوضوح، بل كان يُعَرَّف بدوره . مثلاً، الصياد هو الصيد، والحارس هو الحراسة، والإنسان كلَّه امتداد لجماعته. هنا كانت الهوية جماعية، غامضة، لا تنفصل عن الآخرين. 

ومع نشوء الحضارات الكبرى مثل بلاد الرافدين ومصر القديمة، بدأت الهوية تخرج من هذا الذوبان. ظهرت الكتابة، فسُجِّل الإسم، وظهرت القوانين، فتحدَّد الدور، وصار الإنسان يُعَرَّف بوظيفته ومكانته، لكنّه بقي محكوماً بنطام خارجي يُحَدِّد له من يكون. 

ثمّ جاء التحوّل الفلسفي في العالم اليوناني، مع سقراط وأفلاطون، حيث بدأ السؤال يأخذ منحى جديداً: "من أنا؟" لا بوصفه دوراً، بل بوصفه ذاتاً. 

هنا بدأت الهوية تلتفت الى الداخل، وإن ظلت مرتبطة بالمجتمع والمدينة. 

ومع الأديان الكبرى مثل المسيحية والإسلام، اكتسبت الهوية بعداً أعمق. لم يعد الإنسان مجرد إسم أو دور، بل صار "نفساً" مسؤولة، لها علاقة بالمطلق. ظهرت فكرة الضمير، والمسؤولية الفردية، وبدأ الإنسان يشعر أنه كيان فريد، لا يُختزل في جماعته. في العصر الحديث، ومع عصر النهضة والثورة الفرنسية، وُلِدَت فكرة الفرد الحر.

 أصبح الإنسان مركزاً، وصارت الهوية شيئاً يمكن أن يُختارلا أن يُفرَض فقط. ومع رينيه ديكارت، صار الوعي أساس الوجود، ومع كارل ماركس وسيغموند فرويد وجان بول سارتر، تعقَّدت الهوية أكثر: بين المجتمع، واللاوعي، والحرية. 

لكن في الوقت نفسه الذي كان الإنسان يكتشف ذاته في الداخل، كانت الدولة الحديثة تبني له تعريفاً من الخارج. ففي العصور القديمة، كما في مصر القديمة والإمبراطورية الرومانية، وُجِدَت سجلات وأسماء، لكنها لم تكن هوية يحملها الفرد معه. 

كان الإنسان معروفاً بالوجه والإنتماء. أما في العصور الوسطى، فكان الإسم وإسم الأب والقرية كافياً لتعريفه. غير أن نشوء الدولة الحديثة غيَّر كلّ شيء. 

منذ الثورة الفرنسية (1789)، بدأ الإنسان يُسَجَّل كمواطن داخل نظام دقيق. ثمَّ خلال الحرب العالمية الأولى( 1914)، والحرب العالمية الثانية(1939)، ظهرت الحاجة اللى ضبط السكان بشكل صارم، فانتشرت بطاقات الهوية الإلزامية. 

هنا وُلِدَت الهوية بصيغتها المادية: بطاقة تحمل اسم الإنسان، إسم عائلته، رقم سجله، وصورته. 

لم يَعُد الإنسان معروف فقط بعلاقاته وحضوره، بل صار معروفاً برقم أيضاً. 

وفي بلدان مثل لبنان، ارتبط ذلك بالسجل المدني الذي يُثَبِّت الفرد داخل شبكة دقيقة من القيود العائلية والإدارية. 

وهكذا نجد أن الهوية سلكت مسارين متوازيين: مساراً داخليِّاَ، فيه يَسأل الإنسان نفسه من يكون، ومساراً خارجيِّاً، فيه تُعرِّفه الدولة وتثبِته في سجِلاّتها. وبين هذين المسارين، يعيش الإنسان اليوم يَحْمِل في داخله هويّة لا تُخْتَزّل، وفي جيبه بطاقة تختصره.

المراجع: 

- منابع الذات: تكوّن الهوية حديثا ً- تشارلز تايلور – ترجمة حيدر حاج إسماعيل – المنظمة العربية للترجمة – لبنان

- الحداثة والهوية: الذات والمجتمع في العصر الحديث المتأخر – أنطوني غيدنر – ترجمة فايز الصايغ – المنظمة العربية للترجمة

– لبنان- الهوية والسرد( ضمن: الذات عينها كآخر) – بول ريكور – ترجمة جورج زيناتي – المنظمة العربية للترجمة  - لبنان

- الهوية – أمين معلوف – دار الفارابيس - لبنان