اليوم... أصبح المطر حرًّا -أ. إيمان أبو شاهين يوسف

اليوم... لم يكن المطر مجرّد انهمارٍ عابرٍ من سماء متعبة، بل كان حدثاً داخليّاً في صميم الوجود، كأن الكون كلَّه أعاد ترتيب صوته بعد نشازٍ طويل. لم تكن الغيوم ثقيلة بالماء فقط، بل مثقلة بما كتمته من أنين، وما أخَّرَتْه من عطاء،  وأرجأته من حياة... حتى آن الأوان، انفرجت لا كغيمة، بل كصدرٍ طال احتباسه. اليوم ... 

أصبح المطر حرّاً.

 حرّاً كفكرة استعادت معناها، وككلمة تحرّرت من رقابة الصمت.    

في الأمس، حين كانت الحرب تمشي على الأرض كقدرٍ أعمى، لم تكن السماء سماءها.                                                                                                    كانت تُختَرق بأصوات المدافع، كأنها جراحٌ مفتوحة في جسد العلوّ، وتومض فيها شُهب النار لا كنجوم هادية، بل كشرارات ضَياع، ويرتفع الدخان ليحجب الأفق، فلا يُرى البعيد ولا يُحلم بالقريب. في تلك اللحظة، لم يكن المطرُ غائباً... بل كان محتجباً خلف هذا التشوّه، كأنه يرفض أن ينزل في سماء فقدت صفاءها، أو أن يُلامس أرضاً يعلو فيها صدى الخراب. 

فالعطاء في جوهره، لا يتواطأ مع الخراب، ولا يُزهر في مناخ اختلَّ فيه ميزان المعنى. كان المطر هناك... خلف الغيم، ككائن ينتظر إذناً أخلاقيّاً، لا من السماء، بل من الأرض. وكانت الأرض، رغم عطشها، عاجزة عن الإستقبال، كأنها تقول في صمتها: "لا أستحق الآن... دعوني أستعيد إنسانيتي أولاً" وهكذا... طال الإنتظار، لا كفراغ، بل كحكمة تتشكّل في الخفاء. 

فالخير لا يتأخر عبثاً، ولا يصمت خوفاً، بل ينحاز الى لحظته الصحيحة، تلك التي لا يختلط فيها النقاء بما يشوِّهه. 

واليوم... حين خَفتت  الحرب، لا بانتصار كامل، بل بتعبها من ذاتها، وحين سقطت الأصوات التي كانت تُثقِل السماء، عاد الأفق يتنفَّس، لم يكن السلام صاخباً، بل شفّافاً كنسمة تعبر دون أن تُرى، وتُحَسُّ دون أن تُمسَك. عندها فقط ... انفتح الباب. 

اليوم ، أصبح المطر حرّاً... حرّاً من كلِّ تأجيل، من كلِّ تردد، من كلِّ حذرٍ كان يسود بزمن مضطرب. نزل ،لا كاستجابة لطقس، بل كان اعترافاً بأن الخير لا يموت في زمن الحرب، بل ينسحب الى عمقه، ينتظر أن تنطفئ الضوضاء، ليعود أكثر صفاءً وأكثر صدقاً. وفي كلّ قطرة، كانت هناك حِكمة خفيّة تقول: أن الحرب مهما ادّعت القوّة، لا تملك أن تُنبِت شيئاً. 

وأن الحياة في جوهرها، لا تُفرَض بالقوّة، بل تُستعاد بالإنسجام والتوافق. اليوم أصبح المطر حُرّاً... لا لأنه سقط، بل لأنه اختار أن يسقط بعد أن استعاد العالم توازنه. 

كان يمكن أن يسقط في الأمس، أن يغسِل الدم ويُخفي الأثر، لكنه أبى أن يكون ستاراً لِقُبْحٍ لم يكتمل وعيه، وأبى أن يُخفِّف ألماً لم  يعترف بعد بسببه. 

اليوم فقط، نزل المطر شاهداً، لا ساتراً، وغفراناً، لا تواطؤاً، وبداية ً، لا خاتمة. تساقط، كأنه يقول للأرض: " لن أكون لك ماءً ما دمت لا تعرفين معنى الحياة، ولن أكون رحمةً في زمن يُساء فيه الى الرحمة." ثمّ سكن قليلا،ً كأنه يترك في كلِّ قطرة سؤالاً معلقاً:  "هل تعلّم الإنسان أخيراً أن الحرب لا تؤخِّر المطر فحسب، بل تؤخّر إنسانيته أيضاً؟"