انتفاضة القضاة : مفصل تاريخي بين السياسة والقضاء

بقلم المحامي شارل أبي صعب

تكتـنز مكتبة المرحوم المؤرخ الخوري يوسف ابي صعب بين مخطوطاتها ووثائقها باليبورلدي الذي قسم لبنان الى قائمتين مسيحية ودرزية مع نظام حكومة الجبل الذي يشتمل على 28 مادة وقد وضعه محمد شكيب افندي سنة ١٨٤٥ وصادق عليه سفراء الدول الضامنة. 

يتضمن هذا البيبورلدي عدة مواد مقسمة الى ثلاثة فصول: 

الفصل الاول: يتكلم بمادة واحدة عن وكيفية رياسة المجلس. 

الفصل الثاني: يتضمن ثماني عشرة مادة، ويظهر هذا الفصل «صورة تركيب المجلس واصول انتخاب الاعضاء. 

الفصل الثالث: وهو المتعلق بالقضاء وكيفية سير الدعاوى والفصل بها ويحتوي على تسع عشرة مادة، 

استهل محمد شكيب افندي هذا النظام بمقدمة تحمل العنوان الآتي: «ترجمة نظامنا من المجلسين الموجودين عند قائمقامية جبل لبنان». 

ومما جاء في هذه المقدمة: «ان اكمال سعادة حال ورفاه بال جميع اصناف تبعة الدولة العلية هو من مقتضى ارادة الذات الموسومة بالمعتدلة الملوكانية واصلاح امر ادارتهم السياسية هو ومن انار الهمة الشاهانية المعروفة متواليـا ولاجل حسن واجرا الادارة المخصوصة المنعم بها احسانا من الطرف والاشرف الملوكاني الى اهالي جبل لبنان ولاجل تزايد امنية ومعـمورية الاهالي المرقومين وفصل دعواهم الواقعة المعتاد رويتها بالقديم على القواعد العتيقة الموقعية وبمقتضى الاصول المذهبية والحكم لها في طرايقها تطبيقا لاصول الحقانية «ولا يكون احد مظلوما ومغدورا مطلقا قد صار القرار بالامر والفرمان الملوكاني بترتيب هذه النظمات الحاوية صورة انتخاب اعضاء «مجلس الدروز والموارنة الذين قبل الان صار ترتيبهم وتشكيلهم بالادارة السنية عند قايمقامين الجبل وتعيين «صدور وظايفهم وماموريتهم كما يأتي بيانه... 

اما سنة ١٨٦٤ فقد سن نظام آخر اراد منه واضيوه ان يقيموا في لبنان حكومة مستقلة استقلالا ذاتيا واسعا. بعدما هدمت معاقل الامارة اللبنانية وقصدوا من وضعه ان لا يبقى للسلطان على هذه الحكومة الا سيادة اسمية. 

فتحقيقا لهذه الغاية قرروا ان يعين حاكم على لبنان بالاتفاق بين السلطان والدول الضامنة، ويكون له الحق المطلق في تعيين كل الموظفين دون مراجعة الباب العالي. وبهذه الطريقة يكفلون لهذا الحاكم الاستقلال التام عن تركيا بادارة البلاد. وقد حرص ايضا واضعو هذا النظام على جعل القضاء في لبنان بمعزل عن اي تاثير تمارسه عليه السلطة التنفيذية كي يكون حرا مستقلا في اعماله. 

وعندما راوا ان الحاكم العام يسعى غالبا للتدخل في القضايا لمصلحته الشخصية، احتج اللبنانيون لدى الدول، فادخل على بروتوكول نعوم باشـــا سنة ١٨٩٢ وعلى البروتوكولات التالية نص صحيح يوجب احترام استقلال القضاء ويحظر بالتالي على الحاكم التدخل في شؤونه، حتى ان الدول لم تمنع الحاكم من حق العزل فحسب بل منعته من حق نقل قاض من محكمة الى محكمة اخرى ، زيادة في الاحتياط وضمانا لاستقلال القضاء. 

وهذا ما نصت عليه صراحة المادة ١ من بروتوكول ١٨٦٤، من انه   «يجب احترام الضمانات المعطاة للقضاة ولا يجوز نقل هؤلاء الموظفين او عزلهم الا بعد تحقيق يجري بمعرفة مجلس الادارة  ايام الانتداب فكان الامر عكس ذلك، اذ ان المفوض السامي هو الآمر والناهي، لكلمته شرعة يسري قضاؤها على اهل البلاد كما يسري حكم مبني على البشع. ويجعل الحكم مباشرة في يده او يد مثليه. 

ووضع نظاما جديدا تجاهل وجود القضاء، فبات القضاة يتمتعون بدرجة ادنى من تلك التي كانوا لهم خلال الفترة السابقة للانتداب والتي كانوا حائزين فيها الضمانات الدستورية الكاملة لحريتهم واستقلالهم و السهر بعود الى انشاء المحاكم المختلطة من أجانب ولبنانيين. 

بعد عرض مقتضب لكيفية انشاء نظام القائمقاميتين وما تبعه من صدور لعدة بروتوكولات تبين وتعطي صورة واضحة عن انشاء المحاكم وصلاحيات القضاة منذ سنة  ١٨٤٠ ولغاية حلول الانتداب الفرنسي على لبنان، 

وما تبعه من تطورات واحداث منذ عهد الاستقلال ولغاية خروج الجيش السوري من لبنان، نتفهم بأن الدولة التي يمارس عليها الانتداب او الاستعمار وحتى الاحتلال تشنل فيها كل المقومات والركائز، التي تتحلى بها السلطات القائمة بما فيها السلطة القضائية. 

لكن مع زوال المسببات والعوائق وخروج الجيش الاجنبي مهما كانت جنسيته، وعودة السلطة الى مكانتها، يجب ان تتبدل الحياة من جديد، وتعود كل سلطة ممارسة نشاطها بكل ثبات واستقلالية، لان هذه السلطات التي يقوم على اساسها النظام تكن قد شبعت قهرا وضغطا وممارسات منحرفة بحقها وبحق ممثليها. 

من هذا المنطلق نؤيد في شكل مطلق وعام وحازم، انتفاضة القضاء الذين يجب ان تكون لهم استقلاليتهم التامة المجردة والمنزهة عن كل ضغط او اكراه القضاة الذين يحكمون بالعدل والانصاف واعطاء كل انسان حقه. 

لذلك، صرختنا لقضاة لبنان هي: لا تدعوا السياسيين يتدخلون في شؤونكم واعمالكم وحتى في حياتكم. اردعوهم بشتى الوسائل وبكل ما تملكون من قوة. افضحوهم امام العدل والضمير. 

تسلحوا بكلمة الحق والايمان بالله، لانه سبق وارينا ماذا فعل هؤلاء الساسة للبنان واللبنانيين. 

فهل تعيين قاض او نقله من مكان الى اخر اصبح مرهونا بأذن السياسة المضلة وأداء السياسيين المستغل؟ من هنا نعود بالذاكرة الى ما سطره يوسف السودا في هذا المجال: «لقد اخطا من ظن ان الشعب اللبناني جاهل لا يدرك، وميت لا ينهض. انما لكل شعب في ضمير الدهر يومه المحتوم، فمتى دقت الساعة وهي قريبة ليتعرف الشعب الى ابنائه"