
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
يقال: " أن من الغباء أن يحمل الإنسان في رأسه بذرة فنائه ، وكأن الفكر يمكن أن يتحوَّل الى لعنة، وأن بعض القناعات ليست سوى طرقٍ متعرِّجة نحو الهلاك".
في ظاهر هذا القول حكمة حذرة تدعو الى الإتزان، وإلى تجنب الأفكار التي تكلِّف صاحبها كثيراً، وربما كلّ شيء. لكنه في عمقه، يفتح سؤلاً أكثر إرباكاً:
هل ما يُفني الإنسان حقّاً هو الفكرة التي يحملها، أم عجزه عن التوفيق بينها وبين العالم الذي يعيش فيه؟
وهل النجاة تكمن في التخلّي عن القناعات، أم في القدرة على حملها دون أن تتحوّل الى عبء قاتل؟
أم أن المأساة الأعمق ليست في الفكرة ولا في العالم، بل في ذلك الوعي الذي إذا استيقظ في الإنسان لم يعد يسمح له أن يكون أقلّ مما أدرك، حتى لو كان الثمن أن ينكسر أو يختفي؟
ليس الغباء إذاً، في أن يحمل الإنسان في رأسه فكرة تؤدي به، بل لعلّ الغباء الحقيقي يكمن في أن يعيش دون فكرة تستحق أن يخاطر من أجلها.
فالفكر في جوهره، ليس بذرة فناء، بل امتحان للقوة الداخلية: هل يملك الإنسان شجاعة الإقامة في ما يكشفه له وعيه من حقائق، أم أنه ما إن تشتد وطأة هذا الكشف حتى يرتدُّ عنه، لا عجزاً عن الفهم، بل عجزاً عن الإحتمال؟
وفي قلب هذا الإمتحان يستحضر الوعي صدى ما قاله "رينيه ديكارت" : " أنا أفكِّر إذن أنا موجود".
غير أن هذا اليقين الذي أراد أن يؤسس الوجود على أساس صلب من الفكر والوعي، لا يعود هنا مجرد ضمان للطمأنينة، بل يتحوَّل الى سؤال أكثر قسوة: هل يكفي أن أفكِّر لأكون موجوداً، أم أن ما أفكِّر فيه قد يجعل وجودي نفسه ثمناً لهذا الفكر؟ عندها لا يعود الفكر دليلاً على الأمان، بل يصبح قوّة كاشفة تُدخِل الوجود في اختبار لا ينتهي بين الإستمرار والصدق. لقد أشار " فريديك نيتشه " الى أن المأساة لا تنبع من التفكير ذاته، بل من العجز عن تحمّل نتائجه.
فالفكرة ليست خطراً في ذاتها، بل مرآة تكشف مقدار ما نحمله من الحقيقة.
ومن قبل، اختار " سقراط " الموت على أن يتنازل عن قناعاته، لا لأنه كان ساعياً الى فنائه، بل لأنه أدرك أن التنازل عنها هو شكل آخر من أشكال العدم.
عند هذه النقطة ينقلب السؤال: هل الفكرة تُهلك صاحبها، أم أن صاحبها يرفض أن يحيا بلا معنى؟ هنا يبدأ الصراع الحقيقي، صراع لا يُرى بالعين، بل يُعاش في عمق النفس. العالم يطالب الإنسان بالتكيُّف، بالصمت ، بالإنسجام مع السائد، بينما صوته الداخلي يدعوه الى الصدق، الى أن يكون ذاته، مهما كان الثمن.
هذا التمزق وصفه " سورين كيركغارد" بأنه قلق الوجود، حيث يقف الإنسان بين خيارين لا يلتقيان ابدا: أن يكون مقبولاً أو أن يكون حقيقياً.
وليس الرفض الخارجي هو ما يَفتُك به، بل استحالة أن يخون نفسه. فهو قد يحتمل أن يُرفَض، لكنه لا يحتمل أن يتصدع من الداخل. ومن هنا تصبح الكرامة عند بعض البشر، أغلى من الحياة نفسها.
لا بوصفها قيمة أخلاقية مجردة، بل بوصفها تعريفاً للوجود. فإذا تخلى الإنسان عن مبادئه، لا يشعر أنه خسر موقفاً عابراً، بل كأنه فقد ذاته. وهذا عبَّر عنه " جان بول سارتر" حين رأى أن الإنسان محكوم بالحرية، وأن خيانة هذا الوعي ليست سوى سقوط في سوء النية.
لذلك قد يختار البعض الألم، أو العزلة، أو حتى الفناء، لأن البديل بالنسبة لهم ليس الحياة، بل فراغ داخلي وضياغ لا يُحتمل. غير أن هذا المصير ليس حتمياً.
فحين يحتدم الصراع، يقف الإنسان أمام ثلاثة طرق: إما أن ينكسر فيتخلى عن فكرته لينجو، أو أن يحترق فيتمسك بها دون وعي فيفنى، أو أن يتحوَّل، فيصير قادراً على ملامسة الإنكسار دون أن يفنى.
هذا التحوّل هو اللحظة الأعمق في وعي الإنسان، حيث يدرك أن الفكرة ليست سجناً يُغلق عليه، بل طاقة تحتاج الى إعادة صياغة. هنا يبدأ التفتيش الداخلي الحقيقي، وتزدحم الأسئلة في أفق يبحث عن يقين: هل ما يحمله حقيقة مطلقة أم رؤية جزئية؟ في هذا الأفق، لا يعود النجاح مجرد انتصار خارجي، بل يصبح قدرة نادرة على النجاة دون خيانة الذات.
وهو لا يتحقق إلا عبر وعي مَرِن يدرك أن الحقيقة أوسع من امتلاك فردي، وذكاء وجودي يعرف متى يواجه ومتى يصمت دون أن ينكسر، وقدرة على إعادة التعبير تجعل الفكرة قابلة للحياة لا سبباً للموت.
هكذا، لا يكون الإنسان غبيّاً كما يوحي القول (من الغباء أن يحمل الإنسان في رأسه بذرة فنائه)، بل يكون قد بلغ حداً لا يستطيع فيه أن يعيش نصف حياة. إنه يقف على حافة دقيقة بين أين يكون صادقاً فيخسر العالم، أو أن يكون مقبولاً فيخسر نفسه.
والحكمة لا تكمن في الاختيار القاسي بين هذين المصيرين، بل في إيجاد طريق ثالث، وهو بأن يحيا دون أن يتنازل، وأن يتكيّف دون أن يذوب.
"هناك فقط، تتحوَّل بذرة الفناء الى إمكانية أخرى... تَنْبُتُ بداية".
المراجع: