بمناسبة اليوم العالمي للتراث كتبت د. خولا الخوري ل" Opine Digest"

الدكتورة خولا الخوري / رئيسة الجمعية اللبنانية للتراث والآثار

بحسب اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي التي اعتمدتها اليونسكو عام 1972، يضمّ لبنان ستة مواقع مدرجة على لائحة التراث العالمي، وهي: عنجر، بعلبك، جبيل، صور، ووادي قاديشا وأرز الرب ومعرض رشيد كرامي الدولي.

وقد أُدرجت هذه المواقع بين عامي 1984 و1998، استنادًا إلى معايير "القيمة العالمية الاستثنائية" (Outstanding Universal Value – OUV)، التي تحددها اليونسكو عبر ستة معايير ثقافية (I–VI). ويُشترط في الموقع أن يتمتع، أولًا، بأهمية تتجاوز الحدود الوطنية، بحيث يُعد ذا قيمة للبشرية جمعاء، وثانيًا، أن يستوفي واحدًا على الأقل من معايير الإدراج الثقافية (من 1 إلى 6)، وهي:

  • (I) تحفة من الإبداع البشري
  • (II) تجسيد لتبادل قيم إنسانية
  • (III) شهادة فريدة على حضارة
  • (IV) مثال بارز على طراز معماري أو تاريخي
  • (V) مثال على تفاعل الإنسان مع البيئة
  • (VI) ارتباط مباشر بأحداث أو أفكار ذات أهمية عالمية

المواقع اللبنانية المدرجة:

1- بعلبك: عمق معماري بين القيمة والتحديات

يُعد موقع بعلبك من أبرز المواقع الأثرية في شرق المتوسط، ويعكس ذروة العمارة الرومانية في الشرق، ولا سيما من خلال معبدي جوبيتر وباخوس. وقد أُدرج على لائحة التراث العالمي استنادًا إلى المعيار الأول كتحفة معمارية استثنائية، والمعيار الرابع كنموذج لتطور العمارة الإمبراطورية.يُظهر الموقع قيمة علمية واضحة، خاصة في استخدام الكتل الحجرية الضخمة والتخطيط الديني-المعماري المتكامل. غير أنه يواجه تحديات تتعلق بالنزاهة البصرية نتيجة التوسع العمراني المحيط، إضافة إلى الحاجة المستمرة لتعزيز أنظمة الإدارة والحماية وفق معايير اليونسكو (الفقرات 87–119 من Operational Guidelines).

2- جبيل: استمرارية حضارية عبر آلاف السنين

تمثل جبيل أحد أقدم المواقع الحضرية المأهولة بشكل متواصل في شرق المتوسط، وقد أُدرجت استنادًا إلى المعيار الثالث (شهادة على الحضارات)، والمعيار الرابع (التطور العمراني التاريخي).تكمن أهمية الموقع في استمرارية الاستيطان منذ العصور النيوليتية، ما يتيح قراءة طبقية نادرة لتطور المدن الساحلية. ووفق المعايير الدولية، تُعد جبيل مثالًا على الاستمرارية الحضارية أكثر من كونها نموذجًا معماريًا فريدًا، ما يمنحها قيمة تفسيرية خاصة في دراسة نشوء المدن القديمة.

3- صور: مركز فينيقي بين التاريخ والواقع العمراني

يُعد موقع صور من أهم المدن الفينيقية التاريخية، وقد أُدرج استنادًا إلى المعيارين الثالث والسادس، نظرًا لدوره في التوسع البحري والتجاري في حوض المتوسط القديم.يمتد الموقع بين منطقتي البر والبحر، ويحتوي على بقايا أثرية رومانية وفينيقية تعكس طبقات تاريخية متعددة. غير أن التوسع العمراني الحديث يشكل تحديًا واضحًا للنزاهة المكانية، إضافة إلى الضغط السياحي وضعف بعض آليات الحماية.ورغم هذه التحديات، يبقى الموقع شاهدًا أساسيًا على الدور الفينيقي في تشكيل الشبكات التجارية المتوسطية القديمة.

4- عنجر: تجربة حضرية أموية فريدة

يمثل موقع عنجر نموذجًا نادرًا لتخطيط المدن في العصر الأموي، وقد أُدرج وفق المعيار الرابع كنموذج معماري وتخطيطي متميز.يتميز الموقع بشبكة حضرية منتظمة تعكس تأثير التخطيط الروماني-البيزنطي في العمارة الإسلامية المبكرة. وعلى الرغم من أن قصر الفترة الزمنية لعمران المدينة يحدّ من بعدها التطوري مقارنة بمواقع أخرى، فإنه يظل مثالًا مهمًا لدراسة التحولات العمرانية في بدايات العصر الإسلامي.

5- وادي قاديشا وأرز الرب: مشهد ثقافي-روحي متكامل

يُعد وادي قاديشا وأرز الرب موقعًا ثقافيًا طبيعيًا فريدًا يجمع بين البيئة الجبلية والتقليد الرهباني المسيحي، وقد أُدرج استنادًا إلى المعيارين الثالث والرابع.يمثل الوادي أحد أقدم مراكز الحياة الرهبانية في المشرق، حيث يتجلى التفاعل بين الإنسان والبيئة في سياق روحي مستمر، فيما تشكل غابات الأرز عنصرًا رمزيًا راسخًا في الهوية الثقافية للمنطقة.ومع ذلك، يواجه الموقع تحديات تتعلق بالضغط السياحي، والبناء العشوائي، وتغير أنماط استخدام الأراضي، ما يؤثر في نزاهته البيئية والثقافية، ويستدعي اعتماد خطط إدارة أكثر فعالية واستدامة.

6 -معرض رشيد كرامي من المعالم الحديثة

يُعدّ معرض رشيد كرامي الدولي من أبرز معالم العمارة الحديثة في لبنان، وقد صمّمه المعماري البرازيلي أوسكار نيماير بأسلوب يعكس مبادئ الحداثة القائمة على الانسيابية والبساطة.
يمتدّ الموقع على مساحة واسعة ويضم منشآت متنوّعة، مثل القاعات المقبّبة والمسارح المفتوحة، ضمن مخطط حضري متكامل يوازن بين الكتلة والفراغ.
ويجسّد المعرض رؤية تنموية ارتبطت بمرحلة الستينيات، حيث سعى لبنان إلى تعزيز حضوره الثقافي والاقتصادي.
وبحسب اليونسكو، يتميّز الموقع بقيمة معمارية عالمية، كونه نموذجًا فريدًا لتطبيق العمارة الحديثة في سياق عربي.
غير أن المشروع لم يُستكمل نتيجة التحولات السياسية، ما أثّر على دوره ووظيفته.
واليوم، يواجه تحديات تتعلّق بالإهمال والتدهور، ما يستدعي جهودًا للحفاظ عليه وإعادة إحيائه.

@جميع الحقوق محفوظة