بين الجبل والريح: جدلية الثبات والتحوّل

  الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف

 

في البدء كان الجبل واقفاً كأنه فكرةٌ خرجت من صمت الأزل ولم تَعُد، جسدٌ من يقين متراكم، لا يعرف التردّد ولا يفاوض الزمن على شكله. كأن الأرض حين أرادت أن تحلم بالثبات صنعت منه هذا الكائن  الثقيل الخفيف في آن واحد. قممه ليست مسننة بل أقواسٌ مُحدَودِبة من الصبر، وصدره ليس صخرجلمودٍ وحسب بل ذاكرةُ ممتدة  لحقبات طويلة من الزمن حين كان العالم أكثر بطئاً وأكثر صدقاً، يظنُّ أن الخلود هو ألاّ يتحرّك وأن الحكمة هي أن يرفض التبدُّل ولو كلّف ذلك عزلته، لكنه لا يدري أن في صمته جوعاً خفيّاً الى معنى لا يأتي إلاّ من الخارج. 

أمّا الريح، فهي الكائن الذي لا يُمْسَك، لا بداية لها كي تُروى، ولا نهاية لها كي تُحكى، كأنها فكرُ الكون حين يُقرِّر أن يهرب من نفسه، تدخل المكان فلا تستقر، لكنها تغيِّر كلّ شيء[ دون أن تترك أثراً واضحاً. تضحك حين تصطدم، وتصرخ حيت تُمْنَع، وتبكي حين تُحْبَس بين جدران لا تفهم طبيعتها. هي حركة تحوَّلَت الى وعي، ووعيٌ لا يقبل أن يُسَمّى، تظن أن الحرية هي أن لا تعود الى مكان، وأن القوّة هي أن لا  تُقاس. 

وحين تقترب الريح من الجبل، لا يكون ذلك لقاء، بل مواجهة بين فلسفتين للوجود، الجبل يقول في صمته: أنا ما أنا عليه ولن أكون غيري. والريح تهمس بعنفها: أنت ما أنت عليه لآنك لم تتحرّك بعد. فتدور بينهما معركة لا تُرى ولا تنتهي. ليست معركة كسرٍ، بل معركة فهم بطيء يُشبه نموَّ الزمن في الصخور. الريح تضرب كَتِفَي الجبل كأنها تختبر معنى الصلابة، تَلِفُّ حوله، تصعده، تنزل عنه، تبحث عن شقٍّ صغيرٍ لتقول له: هنا تبدأ النهاية. لكن الجبل لا يجيب، لا لأنه لا يسمع، بل لأنه يرى في الردّ ضعفاً، كلُّ ضربة من الريح تتحوّل داخله الى غلافٍ جديدٍ من الصمت، كأن الألم عنده لا يصرخ بل يتراكم، ومع تراكمه يُصبح أثقل، لكنه أيضاً أعمق.    ومع ذلك، الريح ليست عبثاً كما يظن الجبل، فهي التي تعلّمه أن الزوايا الحادة تُستهلك، وأن ما لا يُهَذّب ينهار من داخله ولو بدا ثابتاً من الخارح،هي التي تمسح عن وجهه غبار الزمن لتكشف له أنه لم يكن وحده كما كان يَطُنُّ، وأن الثبات بلا اختبار ليس فضيلة بل عزلة متجمِّدة. 

أما الجبل، فهو بدوره يُعَلِّم الريح شيئاً لا تعرفه، يعلَّمها أن القوّة التي لا تعرِف حدودها تتحوّل الى ضياع، وأن الحركة إن لم تَجِد ما تقيس به نفسها تصبح تكراراً بلا معنى، فعندما تصطدم الريح به، لا تتعلّم الإنكسار بل تتعلّم العمق، تكتشف أن الإندفاع بلا جذور وركائز يُشبه الصدى حين يضيع في الفراغ لا يردّه أحد. 

هكذا بينهما يولد تنافر يبدو ظاهريًّا صراعاً، لكنَّه في جوهره تعليم متبادل قاسٍ ورحيمٍ في آن ، الجبل يُربِّي الريح على معنى الإتجاه، والريح تُربِّي الجبل على معنى التبدّل داخل الثبات، كأنّ الكون لا يُريد أحدهما كاملاً، بل يُريد كليهما ناقصين يُكمِل أحدهما الأخر. 

ولو تأمل الإنسان هذا المشهد، لوجد نفسه واقفاً في منتصفه، يَحمِل في داخله جبلاً يًريد أن يبقى على ما هو عليه مهما اشتدّت العواصف، ويَحمِل في داخله ريحاً تُريد أن تهرب من كلِّ شيءٍ يُقيِّدها، ومأساته أنّه يظنُّ أنّ عليه أن يختار، بين أن يكون صلباً حتى القسوة، أو مَرِِناً حتى الضياع، بين أن ينجو بالثبات، أو ينجو بالتكيُّف، بين أن يكون صخراً أو هواء. 

لكن الحكمة التي لا يمطق بها أحد هي أن النجاة ليست في الإختيار، بل في التوازن الذي لا يُرى، أن تكون جبلاً حين تحتاجك الحياة شاهداً لا ينكسِر، وأن تكون ريحاً حين يتحوَّل ثباتك الى قفصٍ يختنق فيه معنى وجودك، وأن تعرف متى يكون الصمت بنّاءً، ومتى يكون جموداً، ومتى يكون التغيير خيانة للذات ومتى يكون ولادة جديدة لها. 

وفي النهاية، لا الجبل ينتصر على الريح، ولا الريح تهزم الجبل، بل كلاهما يَظل في حوارٍ أبدي لا ينتهي، حوارٌ لا يُقال بل يُعاش، وحين يفهم الإنسان هذا الحوار، يُدرك أن الحياة ليست أن نكون أقوياء فقط، بل أن نعرِف أين تكون قوّتنا، ومتى تُصبِح قوتُنا ضُعفاً، ومتى يُصبح ضعفنا هو الشكل الأعلى من الفهم.