بين الحبّ والمحبة... حين يضيع الأنين في زمن الوجوه البلاستيكية

الدكتورة لور عبد الخالق الاعور 

رئيسة لجنة الأدب الرقمي  في

الرابطة العالمية للدفاع عن اللغة العربية


في زمنٍ صارت فيه القلوبُ تُباع وتُشترى بعلبٍ من الورود المعقّمة، وبطاقاتِ التهنئة الجاهزة التي لا تحملُ دفءَ اليد التي كتبتها، يضيعُ الأنينُ الإنساني بين صرخات "أحبك" المصنوعة خصيصاً للمناسبات.
في عيد الحب هذا، تتزين الشوارع بالقلوب الحمراء، وتتضوع المقاهي برائحة الشوكولاته الفاخرة، وتعلو أصوات المغنين بأغاني العشق الأبدي. لكن، هل سأل أحدكم يوماً أين المحبة؟ أين تلك التي لا تحتاج إلى مناسبة لتظهر؟ أين تلك التي تسكن في زوايا العيون حين تلتقي بنظرات صادقة، وفي تفاصيل الحياة اليومية التي لا تصلح لبطاقات المعايدة؟
نحن نعيش في عالمٍ "يحتفي" بالحب، لكنه في الحقيقة يحتفي بصورته، بقشرته البراقة التي تلمع تحت أضواء الكاميرات. نحن نتظاهر بالحب في الرابع عشر من شباط، ونتظاهر بالنسيان في الخامس عشر. نتظاهر بالمشاعر الجياشة أمام عدسات السيلفي، ثم نغلق هواتفنا لننام في غرفٍ لا تعرف دفء الحضور.
والإنسانية؟ أين هي من كل هذا؟ الإنسانيةُ هي تلك الأم التي تنتظرُ اتصالاً لا يأتي، هي ذاك الصديقُ الذي يقرأ رسائلك القديمة ويتمنى لو تعود، هي تلك المرأة العجوز التي تجلس وحيدةً في مقهىً مهجور تتأمل العشاق وتبكي على حبٍّ رحلَ دون وداع.
في عيد الحب، نتاجر بالمحبة. نصنع منها سلعةً نتبادلها على عجل. نلبسها أثواباً حمراء قانية، ولا ندري أن المحبة الحقيقية لا لون لها، إنها شفافة كالماء، هادئة كالنسمة، عميقة كالصمت.
وهل يكفي الكلام؟ وهل تكفي القصائد؟ هل تكفي المنشورات التي نكتبها ونحن نرتشف قهوتنا الصباحية، لنثبت للعالم أننا "نحب" وأن قلوبنا لا تزال تنبض؟ العالم ليس بحاجة إلى كلماتنا المنمّقة، العالم يموت جوعاً إلى لمسة حقيقية، إلى عناق لا يسبقه موعد، إلى قلبٍ يحب بلا مناسبة.
في هذا العيد، لن أقول لك "أحبك" لأنها صارت كلمةً مبتذلة تردّدها ألسنة العشاق المزيفين. سأقول لك فقط: لنتوقف عن التظاهر. لِنكفَّ عن تحويل الحب إلى طقوسٍ احتفالية. فلنعد إلى المحبة التي لا تحتاج إلى وردة حمراء لتثبت وجودها، إلى المحبة التي تكتفي بنبضٍ متواطئ وروحٍ تعرف طريقها إلى روح.
فبين الحب والمحبة، ضاع الأنين الإنساني. ضاعت تلك الهشاشة الجميلة التي تجعلنا بشراً. ضاعت البساطة التي كانت تقول: "أنا معك" دون أن تحتاج إلى بطاقة معايدة.
في عيد الحب... تذكروا أن من لا يملكون قلوباً حمراء تحت أضواء المدينة، يملكون في دواخلهم محبةً لا تشبه احتفالاتكم. تذكروا أن الحقيقيين لا يتزاحمون على واجهات المحلات، إنهم هناك... في الظل... يحبون بلا ضجيج.
وحدها المحبة الضائعة هي التي تستحق البحث عنها. فهل نبحث؟عسى أن نلتقي يومًا في زمن لا يحتاج فيه الحب إلى عيد ليكون موجودًا.