
الكاتبة والباحثة ألاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
قال الفيلسوف اليوناني أفلاطون في أحد حواراته في كتاب الجمهورية:
" العدل ليس إلاّ مصلحة الأقوى."
قد تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى وصفاً بسيطاً لطبيعة السلطة، لكنها في الحقيقة تكشف مأزقاً قديماً في فهم العلاقة بين القوّة والحق. فإذا كان الأقوى هو من يحدِّد معنى العدالة، فإن العالم يتحوّل بسهولة الى ساحة تتنافس فيها القوى الكبرى على فرض تعريفها الخاص للحقيقة.
وهذا السؤال الفلسفي لا يظهر فقط في السياسة أو في تاريخ الحروب، بل يمكن أن نجده حتى في مشاهد الطبيعة نفسها. ففي أعالي السماء قد نرى طائرين جبارين يتنازعان الفضاء ذاته.
قد يكونان نسراً وعقاباً، أو أي كائنين تجسّدت فيهما الإرادة الصلبة للبقاء والسيطرة. لا يبدأ الصراع بينهما دائماً بدافع الجوع؛ فكثيراً ما يكون في عمقه نزاع على الهيبة والحضور قبل أن يكون نزاعاً على الغذاء.
فالقوّة، حين تعي نفسها، تميل الى اختبار حدودها، ويغدو الفضاء المشترك ساحة لإثبات الذات قبل أن يكون مجالاً للعيش.
هذا الميل الى التوسّع ليس غريباً عن طبيعة الحياة. فقد رأى الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه أن في الكائن الحي طاقة داخلية سمّاها " إرادة القوّة "، تلك الدافعية التي تدفع الحياة الى تجاوز حدودها والسعي الى الإمتلاء. وكان يقول " إن الحياة نفسها هي إرادة القوّة".
غير أن هذه الإرادة، حين تنفصل عن الحكمة، تتحوّل بسهولة الى نزوع الى الهيمنة. فالقوّة التي لا تجد معناها في الخلق والارتقاء، تبحث عن معناها في السيطرة. ومن هنا تبدأ الغطرسة.
فالغطرسة ليست مجرد فائض من الثقة، بل رؤية باطنية للعالم ترى أن اتساع الذات لا يكتمل إلا بتقلص الآخرين.
وكلما ازداد القوي اقتناعاً بقوته ازداد خوفه من فقدانها.
وهنا تظهر مفارقة عجيبة: فالقوة التي تبدو في ظاهرها سيادة تخفي في باطنها قلقاً دائماً. وقد أدرك الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز هذه المفارقة حين وصف في كتابه اللفياثان " ꓡeⱱiathan" حالة البشر الطبيعية بانها حالة تنافس وخوف وسعي الى المجد، حيث يمكن أن تنقلب الحياة الى ما سمّاه "حرب الجميع ضد الجميع".
ففي غياب الضابط الأخلاقي أو السياسي، يسعى كل طرف الى توسيع مجاله خوفاً من أن يسبقه الآخر الى ذلك. وهكذا يصبح التوسّع أحياناً دفاعاً استباقياً بقدر ما هو عدوان.
لكن صراع لأقوياء لا يبقى حبيس السماء. فظلاله تمتد دائماً الى الأرض، حيث يعيش الضعفاء الذين لم يختاروا أن يكونوا طرفاً في المعركة. فالطيور الصغيرة في الوادي لا تنازع النسور على الفضاء، ومع ذلك يمر ظلّ أجنحتها فوق أعشاشها.
وهنا يبرز السؤال الأخلاقي العميق: ما ذنب الضعيف ليكون رهينة نزاع لم يصنعه؟ لقد أدرك الفيلسوف جان جاك روسو أن القوّة وحدها لا تستطيع أن تؤسس حقّاً دائما، فكتب في "العقد الاجتماعي" أن الأقوى ليس قويّاً بما يكفي ليبقى سيداً دائماً إلاّ إذا حوّل قوّته الى حق، والطاعة الى واجب.
ومعنى ذلك أن السيطرة التي لا تستند الى شرعية أخلاقية تظلّ دائماً مهددة بالسقوط. أما الفلسفة المعاصرة فقد عمّقت هذا التحليل. فالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو يرى أن السلطة لا تعمل فقط في شكل صراع ظاهر بين الأقوياء، بل تنتشر في شبكة معقدة في العلاقات والمؤسسات والمعارف.
فالقوّة، في نظره، ليست مجرد سيف أو مخلب، بل منظومة من التأثيرات التي تتسلّل الى تفاصيل الحياة اليومية.
في وسط هذا المشهد يقف الضعيف موقفاً شديد الحساسية. فهو ليس طرفاً في الصراع، لكنه يعيش في مداه. ومع ذلك فإن الضعف لا يعني دائماً العجز الأخلاقي.
فهناك نوع من الحكمة يولد من إدراك الحدود: حدود القوّة وحدود الطموح وحدود العالم نفسه. فالإنسان الذي يجد نفسه بين قوتين متصارعتين يقف أمام ثلاثة خيارات: أن ينحاز الى إحدى القوّتين فيفقد استقلاله، أو أن يهرب من الواقع فيفقد حضوره، أو أن يختار طريقاً ثالثاً أكثر صعوبة " طريق الوعي والشهادة."
وهكذا يبقى السؤال الفلسفي مفتوحاً: هل تكمن عظمة الكائن في قدرته على الغلبة، أم في قدرته على تجاوز الحاجة الى الغلبة؟ ربما يكمن الجواب في تلك الحكمة التي تتكرر في تجارب البشر جميعاً: إن الكرامة لا تُقاس بمقدار ما نملك من قوّة، بل بمقدار ما نستطيع ان نضبط هذه القوّة حيت تهدد حياة الآخرين وكرامتهم.
فالسماء في نهاية المطاف، لم تُخْلَق لكي يمتلكها الأقوياء، بل لكي تتسع للجميع.