
الكاتبة والباحثة الاستاذة
إيمان أبو شاهين يوسف
" في لحظة التوهّج، يقف الإنسان بين همس العبث ونهر الحياة"
في وادٍ بعيد لم تعرفه خرائط البشر، كان نهر الحياة يجري في دورة مقفلة لا بداية ولا نهايه لها. لم يكن يُسَرِِّع الخطوات في جريانه ، كما أنه لا يتوقف ليعلن عن نفسه. كان يمضي بهدوء الواثق من ذاته، الذي يعرِف أن كلّ العابرين سيصلون يوماً الى ضفّته.
وعند منعطف صخريّ حاد، كان كيان العبث يُقيم في الأزل، صامتاً، جاحظ العينين، يراقب المارّين كما يراقب الصياد من مخبئه حركة الطيور في السماء. لم يكن يحتاج الى صخبٍ ولا الى قوّة، يكفيه همسٌ خفيف في الرأس ليبدِّل مسار انسانٍ كامل.
في ذلك النهار مرَّ إنسانٌ على ضفة النهر، وفي عينيه بريقٌ متعالٍ يفيض غروراً. لقد لامس نجاحات صغيرة، لكن تلك النجاحات تمدّدت في صدره حتى بدت كأنها اتساعٌ جديدٌ للعالم.
من خلف شجرة عجوز، رافقت الدهر في حركته وسكونه، خرج العبث وعلى ثغره ابتسامة خفيفة، وبخفة اقترب من الرجل دون أن يُرى، وهمس بخبثه في أذنه:
ما حققته ليس قليلاً...
ربما أنت أذكى الناس، وأبعد نظراً منهم جميعاً.
ارتفع صدر الرجل قليلاً وأدار برأسه شمالاً ويميناً، وراح يمشي وكأن الأرض تمهّد له الطريق، لا يراها إلا مرآة لخطاه، ولا يسمع سوى صدى نفسه يتردّد في الفراغ.
عاد صوت العبث ينساب في رأس الرجل:
انظر إليهم... يسيرون بجانبك كالأقزام ، لا يرون ما ترى، ولا يفكرون بما يمكنك التفكير به. وما لم يعرفوا مكانتهم وموقعهم، لن يعرفوا مكانتك ومرتبتك.
بدأت النشوة تكبرأكثر فأكثر في صدر الرجل. ثم أخذت تتحوّل ببطءٍ خفي الى شعورٍ بالعلو والرفعة. ومن العلوِّ تسلَّل توتّر صامت، كظلٍّ يتبع الضوء ولا يفارقه ابدا.
صار الرجل يرفع صوته أكثر مما ينبغي، ويثقل كلماته بنبرة حادة لم يعرفها من قبل. صار يلوم هذا ويقسو على ذاك، كأن عليه أن يُثْبِت تفوّقه في كلّ لحظة وكلّ عمل. وكان يظن في قرارة نفسه، أنه بذلك يفرض سطوته ، ورسخ رغباته، كما ويجبر الناس للخضوع اليه واستجدائه.
وكلّما زاد الرجل في توتّره وضياعه، كان العبث بصبرٍ شديد البرودة يزيد في صدره النار اشتعالا، فيضاعف غطرسته ويتمادى في استبداده، حتى أصبح مكروهاً من الجميع، ولم يبقَ أحد من حوله.
عندها بلغ الرجل ضفّة النهر. توقف فجأة مشدوداً بين نار العبث وماء الحياة، وكأن الأرض نفسها امتدت تحت قدميه.
سكن صوته، وسكنت الحركة من حوله، وبقي وحده أمام جريان ماء لا تتوقف.
في تلك اللحظة سمع صوته الداخلي يقول: لماذا صار صدري ضيقاً هكذا؟
كنت في أوج فرحي وعظمتي قبل قليل...وكنت أظنُّ أنني وصلت الى القمة.
نظر طويلاً الى الماء الذي يجري مخاطبا نفسه سرّاً: لكن لماذا يبدو الآن كلّ شيءٍ أصغر؟
والوجوه التي كانت حولي، لماذا ابتعدت؟
مرَّ صمتٌ طويلٌ في داخله، ثمّ قال همساً:
ربما كان الصوت الذي رفعني هو نفسه الذي أثقلني؟
العبث، كان واقفاً على صخرته يراقب الرجل مبتسما بسخرية وهو ينتظر اكتمال المشهد.
فجأة، رأى الرجل يندفع نحو الماء، ويرمى بنفسه في نهر الحياة؛ ارتطم بقوّة وارتفعت من حوله دوّامات الماء تتدافع صغيرة متلاحقة، تكبر رويداً رويداً قبل أن تسكت حركتها فتتلاشى شيئاً فشيئاً، ثمَّ تغيب في سكون وكأنها لم تكن.
ظلَّ العبث واقفاً يُراقب تموّجات الماء المتكسرة، وفي داخله شماتة لا ذعة، كأنه يبتهج بقدرته على إضعاف الإنسان وتشويهه، مستثمراً طمعه وغلوّه اللذين يدفعانه الى الإنحدار، حتى يغدو أسير اندفاعه يتهاوى بصمت من حيث يظن أنه يرتقي. وبنغمة حزينة تكلّم النهر بصوته العميق وقال:
أيها العبث إنك تعرِفُ جيداً كيف تزرع الضجيج في الرؤوس.
قال العبث ساخراً: وأنت؟
أجابه النهر بهدوء: وأنا أعرِف كيف أعيد الضجيج الى الجريان.
قال العبث: وهل أنقذته؟
أجاب النهر: لم أنقذه. أنا فقط أعدته الى مجراه.
ثمّ حمل الماء الرجل كما يحمل كلّ العابرين، في صيرورة لا تتوقف، حيث لا يبقى علوٌّ ولا ضحيج، بل حركة واحدة تمتدّ في صمت عميق.
أما كيان العبث فعاد يختبئ في ظل الشجرة العجوزعند المنعطف الصخري الحاد، ينتظر عابراً آخر، وهو على يقين بأن همسه سيجد دائماً رأساً يُصغي إليه.
وأما نهر الحياة فمضى يجري ..وهكذا عاد الإنسان الى مجرى الحياة، مثل موجة أدركت أخيراً أنها لم تكن سوى ماء.