جيلٌ على حافة الانتظار: التعليم في لبنان بين الحرب وضياع المصير

الدكتورة لور عبد الخالق الاعور 

رئيسة لجنة الأدب الرقمي

 في الرابطة العالمية للدفاع عن اللغة العربية

لبنان، هذا البلد الذي اعتاد أزماته، لم يعد التعليم فيه مجرد مسارٍ أكاديمي، بل تحوّل إلى معركة يومية أبطالها الطلاب إلى جانب معلمين منهكين، في مواجهة واقع يتآكل فيه الاستقرار. وما يزيد الطين بِلّة تصاعد الحرب، فتتلاشى ملامح الحياة الطبيعية، ويجد طلاب الشهادات الرسمية أنفسهم في قلب عاصفة لا تشبه أي امتحان عرفوه من قبل. الشهادة الرسمية، التي كانت يومًا بوابة عبور نحو المستقبل، ومجرد اختبار معرفي، ها قد أصبحت اختبارًا للصمود النفسي والقدرة على الاستمرار وسط الخوف وعدم اليقين. فكيف لطالب أن يراجع دروسه بينما القلق يلاحقه؟ وكيف يمكن قياس تحصيل علمي في بيئة فقدت أبسط شروط التعلم؟
منذ سنوات، يعاني القطاع التعليمي من أزمات متراكمة، لكن الحرب عمّقت الانهيار. وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 700 مدرسة تحولت كليًا أو جزئيًا إلى ملاجئ للنازحين، فيما أغلقت مئات المدارس الأخرى أبوابها قسرًا. والمؤسف أن نرى الانقطاع المتكرر عن الدراسة أصبح القاعدة لا الاستثناء. في هذا الواقع، يتسع التفاوت بين الطلاب، ليس بسبب قدراتهم، بل بسبب ظروفهم الجغرافية والأمنية.
طالبٌ في منطقة هادئة نسبيًا قد يتمكن من متابعة دروسه، بينما آخر يعيش تحت تهديد يومي، يفقد القدرة على التركيز أو حتى الحضور.، فيصبح الحديث عن تكافؤ الفرص أقرب إلى الوهم.
إنّها امتحانات في زمن اللايقين، هذا أقل ما يقال.تمثل الشهادات الرسمية لحظة حاسمة في حياة الطلاب، لكن في ظل الحرب، تتحول هذه اللحظة إلى مصدر قلق دائم. مواعيد غير مستقرة، قرارات متبدلة، وضبابية تحيط بمصير الامتحانات بين تأجيل أو إلغاء أو تعديل.
هذا الغموض لا يرهق الطلاب فحسب، بل يضرب ثقتهم بالنظام التعليمي نفسه. فهل يمكن أن تُقاس جهود عامٍ كامل في ظروف غير متكافئة؟ وهل العدالة ممكنة في ظل واقع منقسم إلى تجارب متباينة؟وهي أصلًا لم تكن موجودة أو عدالة غير عادلة.لم يعد التعليم مرتبطًا بمقاعد الدراسة فقط، بل بالقدرة على البقاء في مكانٍ ثابت. 

ومع تزايد حالات النزوح الداخلي – حيث تجاوز عدد النازحين بسبب الحرب الأخيرة 1.2 مليون شخص – يجد آلاف الطلاب أنفسهم خارج بيئتهم التعليمية، في ظروف لا تسمح بالاستمرارية. 
لا بد من التوقف عند الانتقال المفاجئ، فقدان الكتب، صعوبة الاندماج في مدارس جديدة، كلها عوامل تجعل من التعلم عبئًا ثانويًا أمام تحديات الحياة اليومية. 

وهكذا ، يتحول التعليم من حقٍ أساسي إلى امتياز مؤجل.
وفي هذه الآونة ينزف الجرح الصامت، الصحة النفسية ولكن…ففي خضم الحديث عن المناهج والامتحانات، يغيب غالبًا البعد الأكثر تأثيرًا، الحالة النفسية للطلاب. القلق، الخوف، فقدان الأمان – هذه المشاعر تتسلل إلى يومياتهم، وتُضعف تركيزهم وذاكرتهم وقدرتهم على التعلم.فالطالب الذي يعيش تحت ضغط نفسي مستمر لا يمكن أن يُطلب منه أداء طبيعي. ومع غياب الدعم النفسي المنظم في معظم المدارس، يصبح جيلٌ كامل مهددًا بندوبٍ غير مرئية قد ترافقه طويلًا. ولا ننسى المعلمين أيضًا يدفعون الثمن، كثيرون منهم نازحون أو يعيشون تحت التهديد، ومع ذلك يُطلب منهم أداء دور المربي والمرشد دون أي دعم يُذكر.إنّ الحلول الرّقمية موجودة، لكنها غير كافية، لقد مررنا بتجربة سابقة وكانت النتائج كارثية، وأدت  إلى وجود الفاقد التعليمي والذي ما زلنا حتى اليوم نعمل على سدّ ثغراته.
وتحاول بعض المبادرات المحلية والدولية سدّ الثغرات: منصات تعليمية مجانية مثل "مدرسة" (Madrasa.org) أو قنوات تعليمية على يوتيوب، وأحيانًا مجموعات واتساب يديرها معلمون متطوعون. وزارة التربية أطلقت أيضًا منصات للتعليم عن بُعد، لكن ضعف الإنترنت وانقطاع الكهرباء ونقص الأجهزة اللوحية جعل هذه الحلول غير قابلة للتعميم، خاصة بين النازحين والفقراء.
هذه الجهود تستحق التقدير، لكنها تبقى مجرد مسكّنات، لا تعالج جوهر المشكلة، غياب رؤية شاملة للتعليم في حالات الطوارئ.الحاجة هي إنقاذ اليوم وبناء الغد…تتعامل الجهات المعنية مع الأزمة غالبًا بإجراءات آنية كتأجيل امتحانات، تقليص مناهج، أو تعديلات جزئية. لكن هذه الحلول، وإن خففت الضغط مؤقتًا، لا تعالج جوهر المشكلة.
المطلوب اليوم ليس فقط إنقاذ عام دراسي، بل إعادة التفكير في شكل التعليم نفسه في حالات الطوارئ. سياسات مرنة، تقييمات بديلة (مثل الاعتماد على المشاريع أو الملفات بدل الامتحانات النهائية)، دعم نفسي مكثف في المدارس، وتوفير أجهزة وإنترنت للطلاب الأكثر تضررًا – كلها خطوات ضرورية لضمان حدٍ أدنى من العدالة والاستمرارية.
في لبنان اليوم، لا يجلس الطلاب إلى مقاعدهم وهم يفكرون في المستقبل فقط، بل وهم يحاولون فهم حاضرٍ مضطرب. بين كتابٍ مفتوح ونافذةٍ تُطل على الخوف، يقف جيلٌ كامل على حافة الانتظار، لا يطلب أكثر من فرصة عادلة ليتعلم… ويكمل الطريق.
قد تنتهي الحروب يومًا، لكن آثارها على التعليم تبقى عقودًا. والسؤال الذي يوجّه إلى صنّاع القرار اليوم، ليس فقط "كيف نرمّم؟" بل هل لديكم الجرأة على بناء نظام تعليمي لبناني جديد، قادر على الصمود في وجه الأزمات، والعادل بما يكفي لعدم التخلي عن أي طفل، أينما كان؟