حين تستيقظ الخرائط: حق الشعوب في أن تكتب أسماءها على صفحة التاريخ

الدكتور غسان الدمشقي

 ناشط اجتماعي وسياسي في مجال حقوق الإنسان،

 وباحث علمي.


الأوطان ليست مجرد خطوط مرسومة على خرائط العالم، ولا الشعوب أرقاماً في دفاتر الإحصاء أو مواداً في نصوص القانون الدولي. فخلف كل أرض حكاية، وخلف كل حكاية ذاكرة، وخلف كل ذاكرة شعب يحاول أن يحفظ اسمه من الضياع.
وثمة شعوب تولد مرتين.مرة حين تتواجد على الأرض، ومرة حين تدرك أنها موجودة.
وفي المسافة الفاصلة بين الولادتين قد تمتد سنوات طويلة من الصمت والأسئلة والانتظار، حيث تتعاقب الأجيال وهي تحمل السؤال ذاته: من نحن؟ وكيف نريد أن نعيش؟ ومن يملك الحق في رسم مستقبلنا؟
ذلك السؤال الذي يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه كان عبر التاريخ الشرارة التي غيرت مصير أمم، وأسقطت إمبراطوريات، وولّدت دولاً جديدة، وأعادت رسم خرائط اعتقد البعض أنها خالدة.
فالخرائط ليست أوراقاً جامدة كما تبدو، معلقة على جدران السياسة. إنها كائنات حية تتنفس من إرادة الشعوب. تتمدد حين تنتصر فكرة، وتنكمش حين تنهزم إرادة، وتُعاد صياغتها كلما قرر شعب ما أن يرفع صوته مطالباً بحقه في أن يكون شريكاً في صناعة مستقبله.
ومن هنا يولد حق تقرير المصير.لا بوصفه مصطلحاً سياسياً فحسب، ولا باعتباره مادة قانونية في مواثيق الأمم، بل كحاجة إنسانية عميقة ترتبط بالكرامة والهوية والحرية. فالإنسان لا يريد أن يعيش فوق أرضه فقط، بل يريد أن يشعر أن تلك الأرض تعترف به، وأن لغته ليست غريبة في وطنه، وأن تاريخه ليس هامشاً في كتاب يكتبه الآخرون.فالتاريخ، إذا نزعنا عنه ثياب المنتصرين، ليس سوى قصة طويلة لشعوب كانت تبحث عن اسمها.شعوب أرادت أن تتحدث بلغتها دون إذن، وأن تحفظ ذاكرتها من النسيان، وأن تنظر إلى المستقبل بعينها هي لا بعين الآخرين.
لكن في كل عصر كانت هناك قوة تظن أن الخرائط أبدية، وكان هناك دائما شعب يثبت أنها ليست كذلك.
لقد شهد العالم أمثلة لا حصر لها على هذا المسار الإنساني. فمن حركات التحرر الوطني التي اجتاحت آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية خلال القرن العشرين، إلى الأمم التي أعادت بناء دولها بعد انهيار الإمبراطوريات الكبرى، ظل المبدأ نفسه يتكرر بأشكال مختلفة: أن الشعوب تسعى إلى أن تكون صاحبة القرار في مصيرها.
ولم يكن ذلك السعي دائماً بحثاً عن سلطة سياسية فقط، بل كان في كثير من الأحيان بحثاً عن استعادة الذاكرة. فالأوطان لا تُبنى بالجيوش وحدها، بل بالقصائد والأغاني والحكايات الشعبية واللغات التي تنجو من محاولات الطمس. فاللغة بحد ذاتها ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل وطنٌ غير مرئي.والثقافة ليست ترفاً فكرياً، بل الجدار الأخير الذي يحتمي خلفه الوجود الجماعي للشعوب.
ولهذا كانت معارك الهوية عبر التاريخ لا تقل أهمية عن معارك الحدود. لأن الأرض قد تُحتل، لكن الذاكرة إذا بقيت حية، فإنها تظل قادرة على إعادة إنتاج الحلم جيلاً بعد جيل.
غير أن الحديث عن تقرير المصير يقودنا إلى سؤال آخر: ما الذي يجعل شعباً ما قادراً على تحويل حلمه إلى دولة؟
لقد اتفق علماء السياسة على أن الدولة الحديثة تقوم على مقومات أساسية أربعة: شعب، وإقليم، وسلطة، واعتراف دولي.إلا ان التجارب التاريخية أثبتت أن هذه العناصر، على أهميتها، ليست كافية وحدها.

فكم من أرض بلا مشروع جامع.وكم من شعب تفرقه الانقسامات أكثر مما تجمعه المصالح المشتركة.وكم من سلطة تمتلك القوة لكنها تفتقر إلى الشرعية.وكم من كيان اعترف به العالم كله بينما ظل عاجزاً عن بناء عقد اجتماعي متين بين أبنائه.

لذلك فإن الدولة الناجحة لا تقوم فقط على الجغرافيا، بل على الهوية المشتركة، وعلى الشعور بالانتماء، وعلى القدرة على تحويل التنوع إلى مصدر قوة لا إلى سبب صراع.
إن حق تقرير المصير لا يبدأ عند صناديق الاقتراع، ولا عند إعلان الاستقلال، ولا عند رفع علم جديد فوق مبنى رسمي، بل إنه يبدأ قبل ذلك بكثير.

يبدأ حين تحافظ الأمهات على اللغة.وحين يرفض الشعراء نسيان الحكاية.وحين تتحول الأغنية الشعبية إلى وثيقة تاريخية.

وحين تصبح الذاكرة الجمعية أقوى من محاولات المحو والنسيان.فالأمم لا تُصنع في المؤتمرات الدولية وحدها، بل تُصنع أيضاً في المدارس والمكتبات والمسارح والجامعات وفي تفاصيل الحياة اليومية.
ومن خلال قراءة تجارب الشعوب المختلفة يمكننا ملاحظة مجموعة من العوامل التي تساعد على تحقيق حق تقرير المصير أو تعزز فرص نجاحه.
أول هذه العوامل هو وجود هوية ثقافية أو تاريخية واضحة تمنح المشروع بعده الإنساني.
وثانيها وحدة الإرادة الشعبية حول هدف مشترك يتجاوز الانقسامات الضيقة.
وثالثها امتلاك مقومات اقتصادية تسمح ببناء مؤسسات قادرة على الاستمرار.
أما العامل الرابع فهو وجود قيادة سياسية تمتلك الحكمة والقدرة على تحويل العاطفة الوطنية إلى مشروع واقعي قابل للحياة.
ويأتي بعد ذلك العامل الدولي، وهو الأكثر تعقيداً وتقلباً. فالعالم لا يتحرك دائماً وفق مبادئ العدالة وحدها، بل تحكمه أيضاً حسابات المصالح وموازين القوى. ولهذا شهد التاريخ شعوباً حصلت على دعم دولي واسع، وأخرى اضطرت إلى الانتظار طويلاً حتى تجد لحظتها المناسبة.
وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات السياسة إثارة للتأمل:
أن الحق قد يكون واضحاً في ضمير الشعوب، لكنه يحتاج أحياناً إلى ظرف تاريخي مناسب كي يصبح حقيقة معترفاً بها.ومع ذلك، فإن تقرير المصير ليس غاية نهائية بحد ذاته. 

فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الوصول إلى الدولة، بل في بناء الدولة.لا يكفي أن يولد كيان سياسي جديد كي تتحقق الحرية. ولا يكفي أن تُرفع راية جديدة كي تتحقق العدالة. فالحرية التي لا تتحول إلى مؤسسات تبقى شعاراً. والسيادة التي لا ترافقها تنمية تبقى حلماً ناقصاً. والهوية التي لا تتسع للاختلاف قد تتحول إلى قيد جديد بدل أن تكون مساحة للانتماء.

لهذا نجحت بعض التجارب وتعثر بعضها الآخر. لأن النجاح لم يكن مرهوناً بامتلاك الحق فقط، بل بالقدرة على إدارة ذلك الحق وتحويله إلى مشروع حضاري وإنساني مستدام. 

ولعل جوهر المسألة كلها يكمن في أن الشعوب، مهما اختلفت لغاتها وأديانها وثقافاتها، تتشارك امراً جوهريًا واحداً : أن تكون شريكة في كتابة قصتها الخاصة.
فحق تقرير المصير ليس مجرد قضية سياسية، بل تعبير عن توق الإنسان الدائم إلى الحرية والكرامة والاعتراف. إنه محاولة الشعوب لأن ترى صورتها واضحة في مرآة التاريخ، لا كما يرسمها الآخرون، بل كما تعرفها هي عن نفسها. 

ولعل السؤال الذي سيبقى مفتوحاً أمام العالم ليس ما إذا كانت الشعوب ستواصل المطالبة بحقها في تقرير مصيرها، بل ما إذا كان العالم سيتعلم أن الاستقرار الحقيقي لا يولد من إسكات الأصوات، وإنما من الإصغاء إليها فالأمم، مثل الأنهار، قد تغير مجراها مؤقتاً، وقد تعترض طريقها السدود والعواصف، لكنها لا تنسى أبدا البحر  الذي تتجه نحوه.