حينَ تنجحُ شامُ الحنّاوي هناك… ماذا يكشفُ ذلك عنّا هنا؟

فاروق غانم خداج كاتب لبناني

 وباحث في الأدب والفكر الإنساني 


ليسَ الخبرُ أنَّ شابّةً فازَتْ بعضويّةِ مجلسٍ بلديٍّ في مدينةٍ أوروبيّةٍ.

الخبرُ الحقيقيُّ هو أنَّنا نقرأُ اسمًا مثلَ شامِ الحنّاوي، فنشعرُ بشيءٍ بينَ الفخرِ والمرارةِ: الفخرُ لأنّها نجحتْ، والمرارةُ لأنَّ هذا النجاحَ كان ممكنًا هنا… ولم يحدثْ.

في مدينةِ Schwabach (شواباخ)، التابعةِ لولايةِ Bavaria (بافاريا)، في Germany (ألمانيا)، لم تُعامَلْ شامُ بوصفِها "ابنةَ أقليّةٍ" ولا "وافدةً من هامشٍ"، بل بوصفِها مواطنةً قادرةً على أن تُمثِّلَ، أن تُقترِحَ، وأن تُنتخَبَ. 

وهذا وحدُه كافٍ ليفتحَ بابَ المقارنةِ الذي نحاولُ دائمًا تأجيلَه.شامُ، القادمةُ من سهوةِ البلاطةِ في ريفِ السويداءِ الجنوبيِّ، لم تصلْ إلى هذا الموقعِ عبرَ استثناءٍ عاطفيٍّ، ولا عبرَ مجاملةٍ ثقافيّةٍ، بل عبرَ صندوقِ اقتراعٍ. 

ترشَّحتْ على قائمةِ Social Democratic Party of Germany (الحزبِ الديمقراطيِّ الاجتماعيِّ الألمانيِّ – SPD)، وخاضتِ المنافسةَ بينَ نحوِ أربعينَ مرشّحًا ومرشّحةً، لتخرجَ من بينهم وهي الأصغرُ سنًّا، والأكثرُ قدرةً على إقناعِ مجتمعٍ لا يعرفُها إلّا بما قدَّمتهُ له.

هنا، تحديدًا، يبدأُ السؤالُ الحقيقيُّ:ماذا رأتْ فيها تلكَ المدينةُ كي تمنحَها ثقتَها؟وما الذي لم نرَه نحنُ في أمثالِها؟في حملتِها الانتخابيّةِ، لم تُسأَلْ: "من أينَ جئتِ؟" بقدرِ ما سُئلتْ: "ماذا تريدينَ أن تفعلي؟"هذهِ البساطةُ، التي تبدو بديهيّةً في الدولِ المستقرّةِ، تكشفُ عمقَ الفارقِ بينَ مجتمعٍ يُقيِّمُ الأفرادَ على أساسِ الفعلِ، وآخرَ يُرهقُهم قبلَ أن يبدأوا بأسئلةِ الانتماءِ والولاءِ والهويّةِ الضيّقةِ.

ما تحقَّقَ معَ شامَ ليسَ معجزةً، بل نتيجةٌ طبيعيّةٌ لبيئةٍ تعرفُ كيفَ تستثمرُ في الإنسانِ. فتاةٌ ما تزالُ في المرحلةِ الثانويّةِ، تُمنحُ فرصةً لتكونَ جزءًا من القرارِ المحلّيِّ. 

وفي المقابلِ، كم من شابٍّ في بلادِنا يُطلبُ منه أن "ينتظرَ دورَهُ" حتّى يذبلَ قبلَ أن يصلَ؟ليستِ القضيّةُ تمجيدًا لأوروبا، ولا جلدًا للذاتِ على الطريقةِ السهلةِ، بل مواجهةٌ صريحةٌ: حينَ ينجحُ أبناؤُنا في الخارجِ، فإنّهم لا يتحوّلونَ فجأةً إلى عباقرةٍ، بل يتحرّرونَ من القيودِ التي كانت تمنعُهم من أن يكونوا أنفسَهم.ومن هذهِ الزاويةِ، يأخذُ هذا الحدثُ بُعدًا يتجاوزُ شخصَ شامِ الحنّاوي. 

إنّه يعيدُ طرحَ صورةِ أبناءِ الجبلِ، لا بوصفِهم جماعةً منغلقةً كما يُرادُ أحيانًا تصويرُهم، بل بوصفِهم طاقةً كامنةً، تتفتّحُ كلّما وجدتْ مساحةً حرّةً. تاريخُهم، الممتدُّ بينَ الجبلِ والانفتاحِ، بينَ الهويّةِ والمرونةِ، يظهرُ هنا في صيغةٍ حديثةٍ: شابّةٌ تحملُ إرثَها، وتندمجُ دونَ أن تذوبَ.لكنْ، هل يكفي أن نُصفِّقَ؟التصفيقُ سهلٌ. الأصعبُ هو أن نسألَ: كم من "شامِ الحنّاوي" بقيتْ في قرانا، لم تصلْ إلى أيِّ مجلسٍ، ولا إلى أيِّ منصّةٍ، لأنّها لم تجدْ طريقًا؟ كم من طاقاتٍ شابّةٍ تُدفنُ يوميًّا تحتَ ثقلِ الواسطةِ، والطائفيّةِ، والخوفِ من كلِّ جديدٍ؟في لحظةٍ إقليميّةٍ تختنقُ بالانهياراتِ، يأتي هذا النوعُ من الأخبارِ اختبارًا أخلاقيًّا قبلَ أن يكونَ خبرًا مُفرحًا. 

هل نكتفي بتحويلِه إلى منشورِ فخرٍ جماعيٍّ عابرٍ، أم نحوِّلُه إلى مرآةٍ نرى فيها أنفسَنا بوضوحٍ أكبر؟شامُ الحنّاوي لم "ترفعْ رأسَنا" لأنّها درزيّةٌ فقط، بل لأنّها قدّمتْ نموذجًا مختلفًا لما يمكنُ أن يكونَ عليه الشابُّ العربيُّ حينَ يُعامَلُ بصفته إنسانًا كاملَ الحقوقِ. 

وهذا، في جوهرِه، هو التحدّي الحقيقيُّ الذي نتهرّبُ منه: أن نبنيَ مجتمعاتٍ لا تحتاجُ إلى الهجرةِ كي تنجحَ.قد يكونُ أجملُ ما في هذهِ القصّةِ أنّها لا تقولُ إنَّ الطريقَ سهلٌ، بل تقولُ إنّه ممكنٌ. 

وبينَ السهولةِ والإمكانِ، تُبنى كلُّ التحوّلاتِ الكبرى.مبروك لشامِ الحنّاوي… لا لأنّها وصلتْ، بل لأنّها كشفتِ المسافةَ.