
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
بيتي هو الدنيا إذا ما ضمّني وأبي وأمي فيه خَيرُ رِفاق كان البيت
يقف في آخر الطريق، ككائن يَعْرِف أسماء ساكنيه واحداً واحدا.
لم يكن مجرد جدرانٍ ترتفع وسقفٍ يحمي قاطنيه من المطر، بل كان شَيىئاً أقرب الى حُضْنٍ كبيرٍ يضمّ الحياة في داخله.
نوافذه كانت عيوناً تراقب الفصول وهي تَمرُّ، أبوابه أشبه بأفواه صبورة تحفظ أسرار الداخل.
أما في زواياه حيث تخفت الضوضاء، كان هذا البيت يتنفس ببطء، وكأن الروح تستعيد فيه توازنها لتعيد اليه صخب الحياة والحركة. في هذا المكان الصامت تبدأ الحكايات الأولى: خطوات طفلٍ يتعلَّم المشي فوق أرضه الدافئة، ضحكات صغار تصطدم بالجدران وتعود أوسع مما خرجت، وأم تمرُّ بين الغرف كأنها قلب البيت النابض، تترك في الهواء رائحة الخبز والطمأنينة، وفي قلوب العائلة الدفء والحنان.
وفي زاوية قريبة يجلس الأب صامتاً في أغلب الأحيان، لكنه صمت يشبه ظلَّ شجرة كبيرة، يحمي ولا يتكلّم كثيرا.
وهكذا، ومن غير أن ينتبه أحد، تتكون خيوط خفية بين سكان هذا البيت مع هذا المكان.
خيوط لا تنسج بالحجارة والتراب، بل بالزمن والأيام. ومع مرور الأيام، يتوقف البيت عن كونه مكاناً للسكن وحسب، ليصبح ذاكرة حيّة تحتفظ بكل مشهد وصورة من مشاهد وصور حياة ساكنيه: كلّ زاوية فيه تعرض قصة، وكلّ درج يعرف وزن الخطوات التي صَعِدَته آلاف المرات.
حتى الصمت الذي يسوده أحياناً فهو ليس صمتاً خالصاً، بل صمتٌ مملوء بأصداء بعيدة من حياة عاشها السكان في هذه الديار.
ولهذا يبدو البيت في جوهره العميق، وكأنه الإمتداد الهادئ لأجساد ساكنيه. فالساكن عندما يعود الى بيته ، لا يعود الى هذا الهيكل الحجري القائم، بل يعود الى جزء من ذاته.
هنا يخلع عن قلبه تعب العالم، ويستعيد توازنه كما تستعيد الأرض هدوءها بعد العاصفة. لكن العالم، في أوقات الحروب القاسية، يعرف كيف يقطع هذه الصلة الروحية المرهفة بين الإنسان وبيته.
وفجأة، ومن غير مقدمات عادلة، يمرّ شيء يشبه العاصفة في حياة الناس؛ يتشقق الصمت، ترتجف الجدران، ويتغيّر وجه الطريق.
في تلك اللحظة يدرك الإنسان أن البيت الذي كان يحميه أصبح هو نفسه مهدداً.
لا لأن الحجر أصبح قديما، بل لأن العالم خارج الجدران أصبح أقسى من قدرة الجدران على الحماية والصمود.
وحين تأتي ساعة الرحيل، يقف الإنسان أمام بيته كما يقف المرء أمام جزء من نفسه ومن جهده ومن سنين حياته.
ينظر الى الباب الذي كان يعبره كلّ يوم دون تفكير، الى النافذة التي كانت تستقبل الصباح، الى الشجرة التي كبرت معه عاماً بعد عام، وفجأة تصبح الأشياء الصغيرة في عينه كبيرة عظيمة، كأن الزمن كلّه قد اجتمع فيها في هذه اللحظة. ولأن الزمن لا يمكن أن يُحْمَل في حقيبة، والبيت بكل ما فيه من حياة لا يُمكن أن يُنْقَل كما تنقَل الأشيأء، يحدث عندئذٍ شيء غريب في روح الإنسان، فيقف عاجزا لا يدري ماذا يفعل، ولا يشعر فقط بأنه يترك مكاناً خلفه، بل يشعر وكأن شيئاً من روحه بقي هناك، وكأن جزءاً غير مرئي من كيانه ظلّ معلقاً بين الجدران التي عاشت معه سنوات طويلة.
وهنا تظهر قسوة التهجير في معناها العميق. فالتهجير ليس انتقالاً من أرض الى أرض، بل اقتلاعٍ من الزمن نفسه، أشبه باقتلاع شجرة قديمة من تربتها.
صحيح أنه يمكن أن تُزْرَع هذه الشجرة في مكان آخر، لكن جذورها تظلّ زمناً طويلاً تبحث في الذاكرة عن تلك التربة الأولى.
فقد يُجْبَر الإنسان على مغادرة بيته، لكن البيت لا يُغادره بسهولة. يبقى حيّاً في ذاكرته، في لغته، في طريقته في ترتيب الأشياء، وحتى في الحنين الذي يزوره فجأة ومن دون موعد.
وهكذا يتحوّل البيت بعد فقدانه، من مكان يُسكن إلى معنى يُحْمَل. فلا يعود جدراناً وسقفاً فقط، بل يُصبِح جزءاً من الوعي الإنساني نفسه، علامة على العلاقة العميقة بين الإنسان والمكان.
ولهذا يُمْكن القول أن البيت الحقيقي ليس فقط ذلك الذي يقف في نهاية الطريق، بل أيضاً ذلك الذي يظلّ قائماً في أعماق الإنسان حتى بعد أن تختفي الجدران.
فالبيوت قد تُهدم، وقد يبتعد الناس عنها قسراً، لكن ما عاش فيها من حياة صادقة يظلّ يُقاوم النسيان، كضوء صغير يرفض أن ينطفئ في قلب الذاكرة.