حين يضيع الوطن… تصبح المواطنة موقفًا

الدكتورة لور عبد الخالق الاعور 

رئيسة لجنة الأدب الرقمي  

في الرابطة العالمية للدفاع عن اللغة العربية

ليست المواطنة كلمة تُكتب في الدساتير فحسب، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات الوطنية. إنها اختبار يومي لعلاقة الإنسان بوطنه، يتجلّى خصوصًا في الأزمنة الصعبة، حين تتراجع الدولة وتتقدّم الخيبات. 

ففي الأوقات المستقرة قد تبدو المواطنة أمرًا بديهيًا، لكن عندما يبدأ الوطن بالتآكل في وجدان أبنائه، تتحوّل المواطنة إلى موقف أخلاقي قبل أن تكون صفة قانونية.
في كثير من البلدان التي تعصف بها الأزمات، لا يضيع الوطن فجأة. إنه يتآكل ببطء: في المؤسسات التي تضعف، في القانون الذي يُطبَّق بانتقائية، وفي الثقة التي تتلاشى بين الناس ودولتهم. 

عندها يشعر المواطن أن المسافة بينه وبين وطنه تكبر، حتى يكاد الوطن يتحوّل إلى فكرة بعيدة أكثر منه واقعًا حيًا.
غير أن أخطر ما قد يحدث في مثل هذه اللحظات ليس الفقر ولا الانهيار الاقتصادي، بل الاعتياد على هذا التآكل. 

حين يصبح غياب العدالة أمرًا مألوفًا، وحين يتراجع الإيمان بإمكان التغيير، تتصدّع فكرة المواطنة نفسها. فالإنسان لا يشعر بأنه مواطن في وطن لا يحميه ولا يسمع صوته.
ومع ذلك، فإن المواطنة الحقيقية لا تولد في أوقات الرفاه، بل في لحظات الشدّة. ففي الأزمنة التي يبدو فيها الوطن هشًّا، يصبح الدفاع عنه دفاعًا عن فكرة العيش المشترك قبل أي شيء آخر. 

المواطنة هنا ليست امتيازًا تمنحه السلطة، بل مسؤولية يحملها الناس حين يصرّون على أن هذا الوطن يستحق أن يبقى.
إن المواطن، في جوهره، ليس تابعًا ولا متفرّجًا. 

إنه شريك في مصير جماعي. وحين يتخلّى الناس عن هذا الدور، يفرغ الوطن من معناه ويتحوّل إلى مساحة تتنازعها المصالح الضيقة والهويات المتصارعة.
قد يضيع الوطن حينًا في الضجيج السياسي أو في صراعات السلطة، لكنه لا يختفي ما دام هناك من يرفض التخلي عنه. 

فالوطن في نهاية المطاف ليس مجرد أرض أو حدود، بل إرادة مشتركة للعيش معًا رغم الاختلافات.
لهذا، ربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس: أين الوطن؟ بل: أين المواطن؟ فحين يستعيد المواطن صوته ومسؤوليته، يستعيد الوطن شيئًا من معناه الضّائع.