
الكاتية والباحثة
إيمان أبو شاهين يوسف
في لحظات عاصفة وقاسية من التاريخ، لا ينهار شيء واحد من مكونات الحياة الإنسانية وحسب، بل يتوقف كلّ شيء؛ تخفت الأصوات، تغلق الأبواب، تفرغ الطرقات، ويتحوّل العالم الذي اعتدنا أن نعبره بحريّة الى مساحة ضيقة محاصرة بالصمت والخوف.
هناك، في تلك اللحظة التي يمكن تسميتها " الصمت الكبير"، لا يسأل الإنسان فقط: ماذا يحدث؟ بل يسأل سؤالاً أكثر قسوة: من أكون، إذا توقّفت الحياة من حولي؟ ليست هذه الحالة عزلة فردية يمكن تعويضها بالإنتظار او الإحتمال، بل هي عزلة جماعية تصيب النسيج الاجتماعي كلّه.
يتوقف التبادل، يتعطل اللقاء، وتنكفئ الجماعة الإنسانية على ذاتها كجسدٍ فقد حركته.
في مثل هذه الظروف، لا يُحرم الإنسان من الآخرين وحسب، بل يُحرَم من المجال الذي يظهر فيه كإنسان.
لقد أدركت المفكرة السياسية"حنة آرندت" أن الإنسان لا يتحقق ككائن إنساني كامل إلا في الفضاء العام، حيث يتكلم ويشارك ويفعل.
هناك، في الساحة المشتركة، تتشكل هويته ويعترف به.
لكن ماذا يحدث عندما تُغلق هذه الساحة؟ عندما يُصبح الكلام خطراً، واللقاء تهديداً، والحركة خروجاً عن المألوف؟ عندها لا يختفي الإنسان، لكنه ينسحب من الظهور.
يصبح كأنه موجود بلا صدى، حيّ بلا حضور، كائن لا يجد مرآته في الآخرين. فالمعنى، وإن كان يسكن في الداخل، لا يكتمل إلاّ عندما يُرى ويُعاش ويُتبادل. وهذا ما ألمح إليه " هيغل" حين ربط تحقّق الذات باعتراف الآخر بها، إذ لا يكفي أن يكون، بل يجب أن يُعترف به كي يكتمل.
غير أن هذا الإعتراف لا يقوم في الفراغ، بل يحتاج الى شرطين أساسيين: الحرية والحركة. فبدونهما، لا يستطيع الإنسان أن يختبر ذاته أو يُجسِّد إمكاناته.
إن الحرية ليست مجرد حق، بل هي وسيلة الإدراك، والحركة ليست مجرد إنتقال، بل هي طريقة الوجود. لذلك، عندما تُسْلَب الحرية وينكمش مجال الحركة، لا يُلغى الإنسان، لكن تتعطّل تجربته لذاته.
وهنا يتسلّل ذلك الشعور الغامض: أن القيمة الإنسانية قد تراجعت، وأن المعنى قد انطفأ. لكن هذا الشعور، على شدَّته، ليس دقيقاً تماماً.
فالإنسان لا يفقد معناه لأنه قيِّد، بل لأنه فقد السبل التي كان يعيش بها بهذا المعنى. لقد انقطع عن الفعل، وعن الأثر، وعن العلاقة، فبدا له وكأن وجوده قد أصبح صامتاً.
وقد صوَّر " ألبير كامو" هذا الوضع بعمق في روايته "الطاعون"، حيث تحوَّلت المدينة الى فضاء مغلق، لا لأن الناس فقدوا إنسانيتهم، بل لأنهم فقدوا القدرة على ممارستها كما اعتادوا.
الزمن نفسه بدا وكأنه معلق، والحياة كأنها مؤجلة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نقع في وهم خطير: أن معنى الإنسان يُستمد بالكامل من الخارج.
فلو كان الأمر كذلك، لانهار الإنسان تماماً في كل أزمة.
لكن التجربة الإنسانية، كما بيَّن " فيكتور فرانكل"، تكشف أن المعنى يمكن أن يبقى حتى في أقسى الظروف، لا بوصفه تجربة حاضرة، بل بوصفه إمكانية كامنة. هنا تتضح المفارقة: الإنسان لا يَخلق معناه من الحرية والحركة وحدهما، لكنه يحتاجهما لكي يُجسّد هذا المعنى ويعيشه.
فعندما يغيبا لا يُلغى المعنى، بل يدخل الإنسان في حالة من الكمون، كالنار تحت الرماد، وكالكلمة التي لم تُنطَق بعد. إن لحظة الصمت الكبرى ليست إعلاناً عن فراغ الإنسان، بل عن اختبار لحدود ظهوره.
إنها تكشف أن الإنسان ليس مجرد ذات داخلية مكتفية بذاتها، ولا مجرد كائن إجتماعي ذائب في الجماعة، بل هو توتر دائم بين الداخل والخارج، بين الإمكان والتحقيق، بين ما هو كامن فيه وما يستطيع أن يعيشه في العالم.
وفي النهاية: حين ينهار العالم لا يضيع الإنسان... بل يَضِلُّ السبيلَ الى نفسه.