
بقلم: المحامي الاستاذ عامر الخطيب
ذاكرةٌ من شعف إلى السويداء ... حين كانت الأضحية درساً في الحياة قبل أن تكون طقساً في الذبح
حين أُغمض عينيَّ وأعود إلى تلك الصباحات الذهبية البعيدة، أوّلُ ما يأتيني صوتُ الأشعار والأناشيد الروحية التي كانت تملأ البيت والجبل من أعلاه إلى أسفله، تأتيني رائحة البخور المتصاعد من بيوت الطين والبازلت الأسود ... يأتيني أوّلاً ذلك الصوت الساذج البريء ... المأمأة ... ماء.. ماء .. صوتُ ثغاء الخروف الأبيض المربوط في زاوية الدار، يُعلن بلا أن يدري أن العيدَ قد حلّ، وأن الفرحَ الكبير قد طرق الأبواب.
كنتُ طفلاً في قريتي "شعف" تلك القرية التي تتربّع على أعلى تلّة مسكونة في الشرق الأوسط، حيث تمسك السماءَ بيدٍ وتُصافح الأرضَ بيدٍ أخرى، وتنظر من فوقها إلى القرى والمواقع المجاورة كأنها عينُ الله المُراقِبة لسهوله وصخوره ووديانه، في تلك القرية التي لا يفصلها عن السماء إلا طبقةٌ رقيقة من الهواء البارد العذب، كان عيد الأضحى حدثاً كونياً لا مجرّد مناسبة دينية، كان "انقلاباً روحياً واجتماعياً" يعيد رسم خارطة العلاقات بين الناس ويُجدّد تحالفهم مع السماء ومع بعضهم البعض.
- قبل العيد بأيام ...حين يبدأ الخروف ملكاً.
لم يكن خروف العيد في قرانا الجبلية مجرّد حيوانٍ يُقتنى قُبيل الذبح ويُعامَل بفتور الغريب، كان الخروف يدخل البيتَ قبل العيد بشهر أو أكثر، وفي بعض البيوت المُعمَّرة بالتراث كان يمكث عدة شهور، وطوال هذه المدة كان "يحظى بمكانة الضيف الكريم" يُغسَل ويُنظَّف، تُزيَّن قرونه وصوفه بالحنّاء الحمراء، ويُطعَم من أجود الشعير والتبن والحشائش الخضراء، وتُزيَّن رقبته بقلادة من الخرز الملوّن أو الصوف المجدول، وكان الأطفال يتسابقون إلى تقديم العلف له، يُمسّدون صوفه الأبيض الناعم، ويحكون قرونه، ويتفاخرون في الحيّ بضخامته وجماله كما يتفاخر الفارس بجواده.
وأذكر جيّداً كيف كان والدي ... رحمه الله ... يدور حول الخروف قبل عزله أو شرائه دورةً كاملة، يفحص أسنانه وصوفه وقوائمه وعينيه، يتحسّس ظهره وكتفيه، ثم يُعلن رأيه بكلمة واحدة حاسمة ... "هذا يصلح" أو "هذا لا يصلح". وكانت هذه الكلمة تُعادل في حسابات الطفولة قرار أحد الملوك، لأن الخروف المختار كان يعني أن العيد سيكون كبيراً، وأن اللحم سيكون وفيراً، وأن البيت سيفوح بروائح الشواء الذي لا يُضاهيه شواء.
- الكبش المنذور وزيارة مقام الخضر ... طقسٌ على قمة العالم.
وفي شعف تحديداً، كان ثمة طقسٌ لا يعرفه كثيرون خارج هذه القرية الجبلية الفريدة، طقسٌ يجمع بين البُعد الديني والروحي والاجتماعي في لحظة واحدة مكثّفة لا تُنسى، "الخروف المنذور" ... وهو ذلك الخروف الذي نذره صاحبُه لله شكراً على نعمةٍ أو شفاءٍ أو قدومِ مولودٍ أو نجاحٍ في مسعى ... كان يُؤخذ قبل الذبح في موكبٍ بسيط صادق إلى "مقام الخضر عليه السلام" المتربّع على قمة تلّة شعف، ذلك المقام الذي يُشرف على البادية والجبل وما حوله كصاحب الكلمة العليا.
وكان صاحبُ الخروف يقوده بخطى متأنية وقلبٍ مفعم بالامتنان، يتبعه عدة أطفال من القرية كموكب الفرح، يُرافقه أحياناً أقاربُه وجيرانُه. ويُطاف بالخروف حول ساحة المقام، وتُتلى الأدعية والأذكار، وتُضاء الشمعات، ثم يعود الخروف إلى الدار حاملاً في صوفه الأبيض عبيرَ المقام ونسيمَ القمة، ليُنحر في اليوم التالي أو يوم العيد وسط حلقة من الدعاء والتسمية، ومنهم من يقوم بنحره في ساحة المقام.
كان هذا الطقس يُجسّد في أعماقه معنىً بالغ الدلالة ... "الذبيحةُ ليست مجرد فعل جسدي" ... بل هي رحلة روحية كاملة تبدأ بالنذر وتمرّ بالتطهير والشكر وتنتهي بالبذل والعطاء، وكأن الإنسانَ الجبلي بهذا الطقس كان يُعلن .. "أنا لا أذبح وأنتهي، أنا أُهدي وأشكر وأُطيف وأُصلّي ثم أُضحّي". وفي هذا تجلٍّ صافٍ لذلك الفهم الإنساني العميق الذي يرى في الأضحية مصافحةً بين السماء والأرض، لا مجرد عملية لتوفير اللحم.
- صبيحة العيد في الجبل ... حين تتحوّل القرية إلى معبدٍ مفتوح.
كان الفجرُ في قرانا الجبلية يومَ عيد الأضحى يختلف عن سائر الأيام اختلافَ الماس عن الرمل، يبدأ مع الصلوات والابتهالات وتمتمات العشق الروحي للعلي القدير، حيث يوقَد التنور وتنبعث روائح الخبز الطازج والزيت والزعتر لتملأ الأزقة الضيّقة المفروشة بحصى البازلت الأسود، ثم تعلو اهازيج وحداء الشباب إيذاناً ببدء يوم العيد وقرب الإنطلاق إلى ساحة المعبد "المجلس" للقاء الهيئة الروحية في صلاة العيد، والمعايدة الجماعية كأسرة البيت الواحد ثم الإنطلاق إلى زيارة البيوت بدون استثناء، والمعايدة وترديد الأغاني الشعبية فيُردّدها صدى الجبل مئةَ مرة، حتى يبدو كأن الجبلَ نفسه يُعيّد معنا.
وكانت النساء قد أيقظن أطفالهن قبل الفجر لإلباسهم الجديد، ذلك الثوب الذي كان في بعض السنوات العجاف ثوباً وحيداً يُحفظ للعيد وحده لا يُلبَس في سواه، والطفلُ حين يلبس جديده يشعر أنه وُلد من جديد، أن الدنيا تبدأ من هذه اللحظة، أن الماضيَ بكل ما فيه من عتاقةٍ وبِلى ورقع قد طُوي إلى الأبد.
وبعد دعوات العيد ... التي كانت تُقام في الساحات المكشوفة حين يسمح الطقس، وفي أروقة المعبد، ومقام الخضر عليه السلام، حين تشتدّ الرياح الجبلية الباردة ... كانت تبدأ "جولة التهاني" التي هي في حقيقتها جولةٌ في خارطة الروابط الإنسانية، يبدأ بالأب والأم والأجداد والأعمام والأخوال، ثم الجيران، ثم الأقارب في القرى المجاورة، وكانت هذه الجولة تستغرق أحياناً عدة أيام، وكانت خلالها البيوت تتحوّل إلى مضافات مفتوحة لا تُغلَق أبوابها، وكأن القرية كلها بيتٌ واحد تعدّدت غرفُه وتنوّعت مائدته.
- مضافات الوجهاء والميسورين ووليمة الجماعة ... حيث تذوب الفوارق في قِدر اللحم.
وكانت "المضافة" ... ذلك الصرح الاجتماعي الجبلي العريق ... تبلغ ذروة ألقها وعطائها في أيام عيد الأضحى، فكبارُ القرية ووجهاؤها وشيوخها كانوا يذبحون أضاحيَهم الكبيرة ... وأحياناً أكثر من أضحية ... ثم يُقيمون الولائم الكبيرة في المضافات التي تتسع للعشرات، وكانت الدعوة على هذه الولائم تشمل الجيران والأقارب والمعارف وأيضاً "العابرين والغرباء" ومن لا أضحية له ومن لا معيل له.
وكان في كل قرية عرفٌ راسخ غير مكتوب لكنه ملزمٌ كالقانون "لا يبقى بيتٌ في القرية بلا لحم في يوم العيد" وكان الوجهاءُ والميسورون يُرسلون نصيباً من أضاحيهم إلى بيوت الأيتام والأرامل والمعسّرين قبل أن تُمد الوليمة في المضافة، وكان هذا يجري بصمت وكرامة، لا يُسمَع له صوتٌ ولا يُرى له بريق، يصل اللحمُ والكبّة مع طفلٍ صغير أو يد امرأة قريبة دون إعلانٍ ودون انتظار شكر، لأن العارفين في الجبل كانوا يُدركون أن "الصدقةَ التي تسمعها الأُذن الثانية تفقد نصف ثوابها".
- الأطفال وخروف العيد ... حوارٌ بين البراءة والحقيقة.
وهنا أصلُ إلى الجانب الأكثر حميمية في هذه الذاكرة الجبلية، الجانب الذي لو رسمتُه لوناً لجعلتُه خليطاً من الأزرق الحالم والأحمر الصارخ، أو لو عزفتُه موسيقى لاخترتُ له مقام "الصبا" ذلك المقام الذي يجمع بين الفرح والحزن في نَفَسٍ واحد.
كنتُ طفلاً أُحبّ الخروف كما يُحبّ ويألف الطفلُ صديقَه. كنتُ أُقدّم له العلف بيدي، أُسمّيه ... لأن الطفل يُسمّي كل شيء يُحبّه ... أُشارك الأطفالَ الآخرين في التحدث عنه والتفاخر به، ثم تأتي ليلة العيد وأنا أعلم ... علماً يخالطه إنكارٌ طفولي خفيّ ... أن الصباح سيكون الصباح الأخير لهذا الصديق الأبيض الصوف.
وفي صبيحة العيد، كان الكبارُ يتداركون حساسية هذه اللحظة بحكمةٍ تُعلّم وتُربّي، كان الأجدادُ والآباء يجلسون مع الأطفال ويشرحون بلغةٍ بسيطة عميقة ... "هذا الخروف يا بني ذهب ليكون قرباناً لله، وقربانُ الله شرفٌ لا حزنٌ، إبراهيمُ عليه السلام أحبّ ابنه أكثر مما نحبّ هذا الخروف، لكنه أطاع الله فجاء الفرجُ من عنده" وكان هذا الشرح البسيط يزرع في قلب الطفل "الجبليّ الصغير أول بذرة الإيثار" أن تُحبّ ثم تبذل ما تُحبّ، وأن الحبَّ الحقيقي هو الذي يعرف كيف يتخلّى.
أما الأطفال الذين لم يكن في بيوتهم خروف ... والذين كانوا يحملون في قلوبهم الصغيرة خجلاً خفياً وشوقاً صامتاً ... فكانت القرية تتداركهم بدفء يتفوّق أحياناً على دفء البيوت المُيسَّرة، كانت الجارةُ ترسل ابنها بصحنٍ من اللحم مع البرغل والبصل واللبن، وكانت الأمهات تنتظر أطفال الجيران على بابها لتُعطيهم نصيبهم قبل أن يطلبوا، وكان هذا الطفلُ الذي لا أضحية في بيته يعود في المساء بطنُه ممتلئة وقلبُه ممتلئ، لا بما أكل بل بما شعر ... أن القرية أُمٌّ كبيرة تعرف أطفالها جميعاً وتُطعمهم جميعاً حتى حين تضيق.
- حلوى العيد والقهوة المرّة ... الطقوس الصغيرة التي تصنع الذاكرة الكبيرة.
ولا يكتمل الحديث عن عيد الأضحى في الجبل دون ذكر "القهوة الجبلية المُرّة" (جبلية لأنها مميزة بكثافتها المُطعّمة بحبات الهيل المطحونة) التي كانت تُقدَّم في فناجين الضيافة طوال أيام العيد، تلك القهوة المطحونة بالمهباج (النجر المصنوع من خشب البطم) التي يصحبها صوتُ الدقّ الإيقاعي المتناسق كأنه موسيقى العيد الخاصة، كانت تُقدَّم قبل حلويات العيد المعجونة باللوز والسمن البلدي اللذيذ ... وأحياناً مع "الهريسة" المصنوعة من القمح والسمن ودبس العنب، الذي تُخفيه الأمهات في جرّات الفخار استعداداً للعيد من أسابيع.
وكانت المضافة في أيام العيد تشهد أيضاً مجالسَ الشعر والسيرة، حيث يروي الشيوخُ قصص البطولة والعطاء، ويتنافس الشعراءُ الشعبيون في قصائد تمجّد قيم الكرم والأصل والشهامة، مُذكِّرين الحاضرين بأن العيدَ ليس يوم الأكل فحسب بل هو "يوم تجديد الميثاق مع القيم".
- ما اختفى وما بقي ... بين زمنين.
اليوم، وبعد كل هذا الجولان في دروب الذاكرة الجبلية، أقف أمام ما تبقّى وما اختفى بعين المحبّ الحزين الذي يرى في التحوّل ضرورةَ الزمن لكن لا يستطيع أن يُنكر ما فقدناه.
"اختفت" زيارة المقامات بالخروف المنذور في أغلب القرى، وتضاءل موكبُ التهاني الذي كان يستغرق أياماً، وتقلّصت أبواب المضافات الكبيرة التي كانت تجمع أهلَ القرية كلهم على مائدة واحدة، وتضاءلت تلك العادة النبيلة الصامتة في إرسال اللحم إلى البيوت المعسرة قبل أن تمدّ يدها.
"وبقي" شيءٌ من الروح الأصيلة في بعض البيوت وبعض القلوب، بقيت القهوة المُرّة و الحلويات المنوعة والزيارات وإن تقلّصت، وبقيت في بعض الوجوه الجبلية العريقة تلك النظرة التي تعرف أن العيدَ أكبر من طقوسه وأعمق من مائدته.
وما يُقلقني حقاً ليس اختفاء الطقوس ... فالطقوس تتبدّل مع الأزمنة وهذا شأنُ الحياة ... بل اختفاء "الروح التي كانت تسكنها" روح الكرم الصامت، والإيثار غير المُعلَن، وذلك الشعور الجبلي العميق بأن الجار والقريب والضعيف جزءٌ من أضحيتك قبل أن تكون جزءاً من مائدتك.
ختاماً ... خروف أبيض على قمة الذاكرة.
إن ثغاء كبش العيد أو كما نسميه (خروف العيد ) في زوايا بيوتنا القديمة لم يكن مجرد لحمٍ ينتظر الطهي، بل كان "معلّماً بلا كتاب" علّم الأطفالَ أن يُحبّوا ثم يتعلّموا الإيثار، وعلّم الكبارَ أن البذلَ فرحٌ لا مغرم، وعلّم القريةَ كلها أن العيدَ لا يكتمل ما دام فيه بيتٌ واحد لا تعبق منه رائحة الشواء.
ونحن اليوم، في هذا الزمن الذي تتشابك فيه الشاشاتُ وتتباعد فيه القلوب، أحوجُ ما نكون إلى استعادة تلك الروح لا تلك الطقوس بالضرورة، روح "العيد الجماعي" الذي لا يفرح فيه أحدٌ بمفرده، والكرم الذي يسبق السؤالَ، والتكافل الذي يصل قبل أن تمتدّ يدُ الحاجة.
فدامت ذكرى الخروف الجبلي الأبيض شاهداً على أننا كنّا يوماً ما ... أجمل مما نحن عليه اليوم، وقادرين ... غداً ... على أن نكون أجمل مما كنّا.
دامت قيمنا ودام جمالنا ودام وعينا