
الكاتبة لينا صياغة
كان المطر يهطل بغزارة تلك الليلة،
والبيت الكبير غارقًا في صمتٍ لم يعتده أحد.
جلس سامر وحده في غرفة والده بعد انتهاء العزاء.
كل شيء بقي كما هو:
النظارة على الطاولة، السجادة قرب السرير، والمصحف المفتوح عند سورة الرحمن…إلا صاحب المكان.
مدّ يده المرتجفة إلى معطف والده المعلّق خلف الباب، فانسابت منه رائحةٌ قديمة هزّت قلبه بعنف.
جلس على الأرض فجأة، وكأن عمره كله انهار دفعةً واحدة.
دخلت أخته ليلى بهدوء
وقالت:
— ما زلت هنا؟
أجاب بصوتٍ مختنق:
— أبحث عن شيء…ثم صمت طويلًا
وأضاف:
— أبحث عن نفسي التي ضيّعتها وأنا أظن أن أبي سيبقى دائمًا.
جلست قربه، ولم تتكلم.
قال وهو يحدّق في الفراغ:
— أتذكرين يوم طلب مني أن أوصله إلى الطبيب؟
كنت مشغولًا بهاتفي…
قلت له: “لاحقًا.”ذلك “اللا حقًا” لم يأتِ أبدًا.
أخفضت ليلى رأسها
وقالت:
— وأنا…في آخر مرة اتصل بي، كنت منزعجة ومتعبة، فأنهيت المكالمة بسرعة.
قال لي قبل أن يغلق:“اشتقت لصوتك فقط.”ولم أفهمها إلا بعد موته.
ساد صمت موجع.
ثم قال سامر:
— كنا نظن أن البرّ كلمات كبيرة…ولم نعلم أن أعظمه تفاصيل صغيرة: أن تصغي لحديثهم دون ملل،
أن تجلس معهم دون النظر إلى الساعة، أن تلاحظ تعبهم قبل أن يطلبوا.
رفع رأسه نحو صورة والده المعلّقة على الجدار
وقال بحرقة:
— أبي لم يكن يحتاج مالنا…كان يحتاج ألا يشعر أنه أصبح زائدًا عن حياتنا.
ثم فتح درج الطاولة، فوجد دفترًا صغيرًا.
قرأ بصوت مرتجف:
“أولادي مشغولون كثيرًا…أدعو الله فقط أن يكونوا بخير.أحيانًا أشتاق لهم وهم في البيت نفسه.”
توقفت الكلمات في حلقه.
بكت ليلى بصمت وقالت:
— يا الله… كان يتألم ولم يخبرنا.
أجاب سامر:
— لأن الآباء الحقيقيين يخفون وجعهم حتى لا يثقلوا أبناءهم…ويموت كثيرٌ منهم وهم يعتذرون عن حزن لم يسببه إلا الإهمال.
ثم نهض ببطء، واتجه نحو النافذة.في الخارج، كان يرى رجلًا يحمل طفلته الصغيرة تحت المطر ويحميها بمعطفه.
ابتسم بحزن وقال:
— الآن فقط فهمت أبي…حين أصبح عندي ابنة، أدركت أن قلب الوالد لا ينام أبدًا.
وأن خوفه علينا كان حبًا لا سلطة، ورحمة لا تدخّلًا.
ثم التفت إلى أخته وقال:
— أخبريني…كيف يتحول الإنسان من طفلٍ كان يركض نحو أبيه…إلى رجلٍ لا يجد خمس دقائق ليسمعه؟
همست ليلى:
— لأن الدنيا تُقسي القلوب حين ننشغل بها أكثر مما ينبغي.
قال سامر:
— لكن أصعب عقوبة ليست فقدانهم…بل أن نفهم قيمتهم بعد فوات الأوان.
ثم أضاف بصوتٍ مكسور:
— يؤلم الإنسان أن يكتشف متأخرًاأن الشخص الذي كان يؤجل الحديث معه…كان باب الرحمة في حياته.
وفي نهاية الليلة،أطفأ سامر نور الغرفة، ثم عاد وفتحه مرةً أخرى.
سألته أخته:— لماذا؟
قال والدموع في عينيه:
— أخاف أن يظن أبي أنني خرجت دون أن أودّعه… كما كنت أفعل دائمًا.