
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
فراشة صغيرة، أودع الوجود في قلبها سرَّ الفرح، وفي جناحيها توقاً دائماً الى الضوء. منحها من الرقّة ما يجعل النسيم رفيقها، ومن الحيويّة ما يجعلها تلاحق الجمال أينما ظهر.
كانت تعيش لحظتها بكاملها، كأنها تعرف أن العمر مهما طال، ليس سوى ومضةٍ بين غيابين.
وفي ليلة استثنائية، حين ألقى القمر وشاحه الفضيّ فوق التلال والحقول، وهدأت الأصوات حتى كادت الأرض تُصغي الى نبضها الخفيّ، راحت تلك الفراشة تؤدي رقصتها على ضوء القمر.
لم تكن رقصةً تبحث عن جمهور، ولا احتفالاً بانتصار، ولا محاولةً لإثبات الوجود. كانت شيئاً أبسط وأعمق من ذلك كلّه.
كانت استجابةً صامتة لنداء الحياة الكامن في أعماقها، وكأنها تقول للكون بلغتها الخفيّة: "أنا هنا.
وسأعيش هذه اللحظة بكلِّ ما أملك من بهجة وفرح." وكان القمر من عليائه يراقبها.
ذلك الحكيم القديم الذي شهِد ولادة البحار، وراقب تعاقب الفصول، وتأمّل وجوه العاشقين والحالمين عبر آلاف السنين.
كان يعلم ما لا تعلمه الفراشة؛ يعلم أن الليل سيمضي، وان الفجر يقترب، وأن الأجنحة الرقيقة لا تستطيع أن تُفاوض الزمن طويلاً.
أما الفراشة، فلم تكن منشغلة بشيء من ذلك. كانت ترقص.
ترقص كما لو أن الحياة ليست عددٌ من الأيام التي نعيشها، بل مِقدار النور الذي نملؤها به.
وترقص كما لو أن الجمال لا يحتاج الى أسباب، بل يكفيه أن يوجد كي يفيض من ذاته.
ومن يتأمّل هذا المشهد قد يظنه مجرّد لقاء عابر بين فراشة وقمر، لكنّه في الحقيقة صورة مكثّفة لرحلة الإنسان نفسه.
فالإنسان، مثل تلك الفراشة، يأتي الى هذا العالم وفي قلبه توقٌ الى النور. يركض خلف الأحلام، ويجمع الذكريات، ويبحث عن المعنى بين أفراحه وأحزانه.
لكنّه كثيراً ما ينسى أن الحياة ليست ملكاً له، وأن أجمل ما فيها لا يمكن احتجازه أو الإحتفاظ به الى الأبد.
نُريد للأزهار ألاّ تذبل، وللشباب ألاّ يشيخ، وللأحبة ألاّ يرحلوا، وللأيام السعيدة ألاّ تنتهي. لكن الوجود له الحكمة الأخرى. إنه يمنح الأشياء جمالها من عابريتها ، فلو بقي القمر مكتملاً دائما لما انتظرناه، ولو بقيت الوردة متفتحة الى الأبد لما شعرنا بسحرها، ولو كان العمر بلا نهاية لفقدت اللحظة قيمتها.
ولعلَّ الفراشة كانت تعرِف هذه الحكمة اكثر منّا. لم تسأل كم بقي لها من الوقت، ولم تطلب من الليل أن يطول، ولم ترْجُ القمر أن يؤجّل رحيله.
كانت تعرِف بفطرتها البريئة، أن السرّ ليس في طول الرقصة، بل في أن تكون الرقصة صادقة.
وهكذا ظلّت تدور في الفضاء الفضي، بين نور القمر وسكون الليل، خفيفة كأنها خيط من نور، وحرّةٌ كأنها لا تنتمي إلاّ الى اللحظة التي تعيشها.
وكأنّ في رقصها درسٌ لا تعلِّمه الكتب: أن الحياة لا تُقاس بعدد السنين التي نعبرها، بل بقدرتنا على أن نحبُّها وهي عابرة، وأن نُعانِق جمالها ونحن نعلم أنه لن يبقى، وأن نملأ قلوبنا بالضوء حتى في الطريق المؤدي الى الغياب.
وعندما انبثق أول خيط من الفجر، تراجع ضوء القمر شيئاً فشيئاً، وغابت الفراشة في اتساع النهار.
لكن الرقصة لم تنته.
لقد بقيت معلّقة في ذاكرة الليل، وبقي معناها يتردد في صمت الوجود:
ليس الخلود أن تبقى طويلاُ، بل أن تُحوِّل لحظة قصيرة من العمر، الى جمال لا يُنسى.