
الدكتور عماد أ. الأعور
باسمِ النّورِ الّذي يُدركُ به كلُّ إدراكٍ، وينفتحُ به سرُّ المعنى، وتستقيمُ فيه البصيرةُ حين تتحرّرُ من وهمِ التّملّك.
باسمِ النّورِ الّذي يسكنُ القلبَ حين يخلو من صخبِ الأنا، ويظهرُ في الوجدانِ حين يصيرُ الحبُّ طريقًا، والعبوديّةُ مقامًا، والحرّيّةُ حالًا.
عبدُ الله اسمُ حالٍ قبل أن يكون نطقًا، ومعنى يتشكّلُ في العمقِ حين يأمنُ القلبُ في حضرةِ الحقّ.
هناك، عند أفقِ السّكون، يبدأُ الإنسانُ في الاكتمال، روحًا واعيةً اختارتِ القربَ مسلكًا، واتّخذتِ الحبَّ دليلًا، وسارت إلى المعنى بإرادةٍ حيّةٍ ونيّةٍ حاضرةٍ. فالعبوديّةُ الحقّة في جوهرِها وعيٌ متّصلٌ، وسيرٌ مقصودٌ، وتسليمٌ نابعٌ من المعرفة، يتغذّى من البصيرة، ويقوى باليقين.
الحقُّ غنيٌّ عن الأشكال، منزَّهٌ عن الطقوسِ الفارغة، متعالٍ عن العبادةِ الّتي تؤدّى من غيرِ حضور.
المطلوبُ هو الإنسانُ حين يصيرُ شاهدًا، والقلبُ حين يغدو مرآةً، والنّيّةُ حين تتنقّى من شوائبِ المقاصد.
فالحركةُ وحدها لا تصنعُ قداسةً، والسجودُ هيئةٌ تكتملُ بالحال، والطاعةُ تسمو حين تتحوّلُ إلى حبٍّ صافٍ.
وفي كلِّ درجةٍ يرتقي فيها النّظرُ، يتخلّقُ العبدُ بعمقٍ جديدٍ، وينكشفُ له من النّورِ ما يوسّعُ صدرَه للحقيقة.
عبدُ الله هو من دخلَ إلى المعنى من بابِ الوعي، وسار إليه بخطواتٍ مضيئةٍ باليقين. علمَ أنّ الجسدَ مركبٌ، وأنّ الرّوحَ قبلةٌ، وأنّ النّورَ بوصلةٌ، فصار يسيرُ في بحورِ المعنى شوقًا إلى الوصول، وتحقّقًا بالحضور.
إذا تحرّك تحرّكت معه النّيّة، وإذا سكن سكنَ في القلبِ ذكرٌ حيٌّ، لا ينقطع.
عبادُ الله هم الّذين صفّوا دينَهم من زوائدِ التّفاخر، ونقّوا أعمالَهم من رغبةِ الظّهور.
اجتمعوا على مقياسِ النّور، وتقدّموا بسبقِ القلوب، فكانتِ المحبّةُ رابطَهم، والبصيرةُ وحدتَهم، والرّفقُ طريقتَهم. حملَ كلُّ واحدٍ منهم للآخرِ ما يحمله لنفسِه من صدقٍ وعنايةٍ، فصار الجمعُ قوّةً، وصار الفردُ مرآةً.
عشقوا الهوى الإلهيَّ حين تحرّرَ من أثرِ الأنا، فصار الحبُّ محرّرًا، والنّورُ منظّمًا للداخل.
سكنوا العالمَ بأجسامهم، وحلّقوا بروحهم فوق ضيقه، فكانوا فيه شهودًا، وفي الحقِّ حضورًا. أخذوا من الدّنيا ما يعينُ على الثّبات، وتطلّعوا إلى القربِ غايةً، فصار السّعيُ عبادةً، والعملُ ذكرًا، والحياةُ رحلةً.
ما أكرمَ العبوديّةَ حين تنقلبُ حرّيّةً، وما أسمى الحرّيّةَ حين تتجلّى في سجودٍ حيٍّ. عند ذروةِ الإخلاص تذوبُ الحدود، ويفنى التّعلّق، ويبقى الواحدُ في الشّهود، والعبدُ في التّحقّق.
فناءٌ ينقّي ولا يمحو، يعيدُ الإنسانَ إلى نفسِه كما أراده الحقّ، صافيًا، حاضرًا، قادرًا على التّخلّي.
يا نورَ النّور، يا سرَّ السّرور في القلوب، يا من يتجلّى لمن أذنَ له القلبُ أن يرى، اجعلنا من أهلِ هذا الطريق، ممّن عرفوا أنّ العبوديّةَ عهدُ معرفة، وأنّ الحرّيّةَ سيرٌ إليك في نورك.
هبْ لنا وعيًا يكشفُ الحجاب، وقلبًا يخضعُ حبًّا، وصوتًا يشهدُ للحقِّ في زحامِ الأصوات.
خذْ بأيدي قلوبِنا إذا تعثّرتْ في طرقِ الهوى، واجمعْها إذا تفرّقتْ في أسواقِ الرّغبات، وافتحْ لنا أبوابَ نورك حين تسكنُ أرواحُنا في ظلِّ رضاك. اجعلْ كلَّ نفسٍ سجودًا، وكلَّ يومٍ خطوةً، وكلَّ حياةٍ رحلةً نحوك.
هكذا يصيرُ عبدُ الله، حالًا متجسّدًا، نورًا يمشي، وقلبًا يشهد، وإنسانًا تحقّقَ بالمحبّة، فغدتِ العبوديّةُ مقامَه، والحرّيّةُ أفقَه، والواحدُ مرجعَه ومصيرَه.