عبور بين الرحيق واللون الكاتبة والباحثة أ. إيمان أبو شاهين يوسف


بين النحلة والفراشة، تقف ذائقة الإنسان حائرة أمام مفارقة عجيبة؛ فالنحلة تبني العالم بصمت، بينما الفراشة تزيّنه بمرورها. الأولى تحمل على جناحيها خبز الأرض، والثانية تحمل وهم الجمال العابر. 

ومع ذلك، حين يكتب الشعراء قصائدهم، يذهبون غالباً نحو الفراشة، ويتركون النحلة تعمل وحدها في وشوشات النور. كأن الإنسان، منذ بداياته الأولى، لم يكن يُفتَن بما يُنقذه ويؤمن مصدر حياته، بل بما يجعله يحلم ويوقظ فيه الخيال. 

النحلة كائن يُشبِه الحقيقة؛ صغيرة، جادة، منظمة، لا تعرِف العبث. تخرج مع الفجر كعاملة في معبد مستور، تحفظ نظام الزهور بدقة، وتُعيد ترتيب الفصول دون أن تنتظر تصفيقا من أحد. هي لا ترقص فوق الوردة، بل تدخل في عمقها، تحمِل سرَّها، وتغادر مثقلة بالرحيق كما يُغادر الحكماء الحياة مثقلين بالمعرفة. 

وحين تصنع العسل، فإنها في الحقيقة تحوِّل جزيئات الضوء نفسه الى إكسير الحياة، بعد أن تمزجه برحيق الأزهار والنبات ليكون بلسماً لبني البشر. أمّا الفراشة، فهي ابنة اللحظة. لا تبني الخلايا، ولا تُنتج عسلاً، ولا تصنع بلسماً، ولا تُغيّر اقتصاد الأرض، لكنها تترك في الروح شيئاً لا يُقاس بمسافة أو سعة، أو وزن. 

إنها أشبه بفكرة شعرية هبطت فجأة  من المجهول على غصن شجرة في جنة الفردوس. 

ألوانها ليست ضرورية لبقاء الإنسان واستمراريته، لكنها ضرورية لبقاء حساسيته وشفافيته. فالإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل يعيش أيضاً بما يُخفِّف ثِقل الواقع عنه، بما يجعله يتأمل بدل أن يستهلك، ويحلم بدل أن يَعِد الأرباح. ولهذا أحب الشعراء الفراشة، لأن الشعر نفسه يُشبِهها؛ لا يحمل أكياس الطحين الى البيوت، لكنه يحمِل النور والفرح الى الداخل المعتم في الإنسان. 

إن الذوق الإنساني، في جوهره، ليس ابن الحاجة فقط، بل ابن الدهشة أيضاً. فهو يحترم ما ينفعه، لكنّه أيضاً يُحب ما يوقظ فيه الشعور بالحبور  والجمال. ولهذا يُحتفى بالوردة أكثر مما يُحتفى بالجذر، رغم أن الجذر هو الذي يشرب الطين والعتمة كي تتفتح الوردة في الأعلى. والعالم كله يقوم غالباً على أكتاف الكائنات الصامتة، بينما تذهب الشهرة الى الكائنات اللامعة. 

في النحلة  نجد شيئاً من صورة الأم، والعامل، والفلاح، وكل أولئك الذين يحملون الحياة على ظهورهم دون أن يكتب أحد أسماءهم على جدران المجد. وفي الفراشة نجد  شيئاً من صورة الفنان، والحلم، والقصيدة العابرة التي لا تُغيّر قوانين الكون لكنها تجعل القلب أقل قسوة. 

وربما تكون حكمة الطبيعة في أنها لم تخلق الجمال والمنفعة في كائن واحد. فلو كانت الفراشة تصنع العسل لفقدت شيئاً من خفّتها الأسطورية. كأن الوجود أراد أن يقول لنا أن الحياة لا تقوم بالضرورة وحدها، ولا على الزينة وحدها، بل على تعادل صامت بين ما يُطعِم الجسد وما يُطعِم الروح. 

وهكذا يبقى الإنسان مخلوقاً غريباً؛ يميل بقلبه الى الفراشة، لكنه لا يستطيع العيش دون النحلة. يُصفِّق للجمال العابر، بينما تقوم الحياة الحقيقية في الخلفية بصمت لا يراه أحد. 

ولعلّ أعظم مآسي الذوق الإنساني وأجملها في آن معاً، أنّه كثيراً ما يعشق الأثر المرئي، وينسى اليد الخفيّة التي صنعت الحياة.