على خطى ميخائيل نعيمة:تفكيك وهم الرأي العام -إيمان أبو شاهين يوسف

 الكاتية والباحثة  الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف  

يُعَرَّف الرأي العام من المنظور الاجتماعي، بأنه مجموعة الإتجاهات والمواقف والأفكار المشتركة نسبياً بين أفراد المجتمع تجاه قضية أو ظاهرة معينة، والتي تتكوّن من خلال التفاعل الاجتماعي والتأثير المتبادل بين الأفراد والمؤسسات والإعلام والثقافة السائدة. " وهو ليس رأياٍ ثابتاً أو موحّداً بالكامل، بل حالة جماعية متغيرة تعكس طبيعة المجتمع وظروفه وقواه المؤثرة". 

أما الناس اليوم حين يتكلمون عن الرأي العام، فيقدمونه وكأنهم يتكلمون عن كائن عاقل،يرى الحقيقة بعين واحدة ويحكم عليها بميزان واعي بكل دقةٍ ووعيٍ ونزاهة. 

فيشعر المرء وكأنه أمام صنم جديد من أصنام هذا العصر.، صنمٌ لا يُنحَت من حجر بل من أصوات من سُخِّرَ من البشر، ولا يُعْبَد بالإيمان والبخور، بل بالخوف والخداع والتكرار. 

لذا إن ما يُسمّى رأياً عاماً ليس في الحقيقة رأياً ولا عاماً، بل هو في أكثر الأحيان صدىً تصنعه إرادة القوى المسيطرة، ثمّ يردده الناس حتى يظنوه من كثرة التكرار صوتهم الداخلي. 

وقد لمّح ميخائيل نعيمة لهذه المأساة مبكراً " كتاب عبادة الأصنام"، حين رأى أن الإنسان كثيراً ما يهرب من حريته ليتحد مع القطيع، لأن الحرية مُتعِبة، بينما التبعية تمنح المرء دفئاً زائفاً وإحساسا بالأمان. وكأن الناس لا يريدون الحقيقة بقدر ما يريدون أن يكونوا مع الأكثرية، حتى لو كانت هذه الأكثرية تسير نحو الوهم. 

لذلك قال نعيمة في معنى من معانيه العميقة: "إن الإنسان يستعير أفكاره ومواقفه، كما يستعير ثيابه، فيعيش عمره يحمل عقول الآخرين دون أن يشعر". إن الرأي العام ليس نبعاً منبثقاً من ضمير الشعوب كما نحب أن نتخيّل، بل هو في أكثر الأحيان قناة تحفر بعناية، ثمّ تُدفع المياه اليها بالقوة الناعمة ( الإعلام والمال والخوف والحاجة والمصالح والشعارات، وحتى اللغة نفسها). فما تمدحه الجماهير اليوم قد تلعنه غداً، لا لأن الحقيقة تغيّرت، بل لأن اليد التي تدير الموجة قد تغيّرت. 

الجماهير ذاتها التي كانت تعتبر فكرةً فضيلة، قد تعتبرها بعد زمن كفراً وتخلفاً. فهل الحقيقة تبدّلت؟ أم أن العواصف قد بدّلت اتجاه الرياح؟ لقد فهم ميخائيل نعيمة أن الإنسان حين يخاف من وحدته الفكرية يُصبِح عبداً للرأي السائد. 

ولذلك كان يدعو الى الإنصات للصوت الداخلي لا لضجيج الأبواق الخارجية. ففي كتاباته نرى دائماً ذلك التمييز بين الإنسان الحقيقي والإنسان المصنوع أي المقولب اجتماعياً. بين من يعيش وفق قِناع الجماعة ومن يجروء على رؤية ذاته كما هي. لأن الرأي العام في لحظات كثيرة، ليس إلاّ قِناعاً جماعيّاً كبيراً يلبِسه الناس كي لا يُتَّهموا بالإختلاف. 

وما أشدّ قسوة هذا الصنم حين تتحكّم به المصالح، فالقوة لا تحتاج دائما الى سلاح كي تقود البشر، يكفيها أحياناً أن تصنع لهم" ما يجب أن يُحبوه" و"ما يجب أن يكرهوه". عندها يصبح الرأي العام مسرحاً هائلاً تُبَدَّل فيه الأدوار باستمرار، بينما يظن المتفرجون أنهم أحرار لأنهم يصرخون بصوتٍ عالٍ. 

لكن الصوت العالي ليس دليل حريّة، كما أن كثرة المرددين ليست دليل حقيقة، خاصة اليوم في ظل التضليل الإعلامي وتشويش وسائل التواصل الاجتماعي. ولعل أكثر ما يؤلم أن الإنسان يولد حر الفكر، ثمّ يبدأ المجتمع شيئاً فشيئاً في صقله حتى يتحوّل الى نسخة مكررة من زمنه وبيئته. 

وهنا تكمن عبادة الأوثان الحقيقية التي المح اليها نعيمة: "أن يتحوّل الإنسان الى عابدٍ لفكرة لم يخترها، ومدافع عن رأيٍ لم يولد من أعماقه، وخائف من السؤال، لأن السؤال قد يُخرجه من حضن الجماعة. 

لهذا كان المفكر الحر في نظر نعيمة يشبه شجرة وحيدة على قمة  جبل، تتلقى الرياح كلها، لكنها ترى الأفق كلّه أيضاً. 

أما الأشجار المتلاصقة في الوادي، فرغم كثرتها، فإنها كثيراً ما تحجب الرؤية بعضها عن بعض. 

إن الحقيقة لا تُقاس بعدد المؤمنين بها، والرأي العام ليس ضميراً مقدساً كما نتوهم، بل حالة متقلبة تتشكّل بحسب من يملك القدرة عل تشكيل القلق والخوف والرغبة والأمل في نفوس الناس. 

لذلك يبقى الإنسان الحر هو ذاك الذي يجرؤ، وسط قرقعة الجموع، أن يسأل نفسه بصمت: هل هذا صوتي فعلاً...أم صدى قرقعة الأصوات من حولي؟