الدكتورة لور عبد الخالق الاعور
رئيسة لجنة الأدب الرقمي
في الرابطة العالمية للدفاع عن اللغة العربية
في الثامن من أذار/ مارس ، لا نحتفي فقط بالمرأة، بل نحتفل بالفكرة الأعمق التي تمثلها، فكرة أن المجتمع المتوازن لا يُبنى بنصف عقله ولا ينبض بنصف قلبه. المرأة ليست "قضية" تُطرَح على طاولة المناقشات، وليست "فئة" تُذكَر في خطابات المناسبات، بل هي الوعاء الذي يحمل المجتمع بأسره.
إنها الحضن الأول الذي يتشكل فيه الإنسان، واليد التي تغرس القيم، والعقل الذي يساهم في صياغة المستقبل.
تخيلوا معي لو أن الطبيعة اختارت أن يكون نصفها صامتًا، أو نصفها مغيبًا... ألم تكن لتفقد توازنها؟ هذا هو حال المجتمعات التي تُهمش نساءها.
إنها تفقد نصف طاقتها الإبداعية، ونصف قدرتها على الصمود، ونصف رؤيتها للمستقبل.
عبر التاريخ، لم تكن النساء مجرد شهود على الأحداث، بل كن صانعات لها.
من كليوباترا التي قادت إمبراطورية، إلى ماري كوري التي غيرت وجه العلم، إلى روزا باركس التي أطلقت شرارة التغيير في أميركا.
وفي عالمنا العربي، كانت النساء دائمًا في قلب التحولات الكبرى، يحملن راية التعليم والتنوير والمقاومة. ومع ذلك، لا تزال الفجوة قائمة.
لا تزال امرأة واحدة من بين كل ثلاث نساء في العالم تعاني من العنف في حياتها.
لا تزال الفجوة في الأجور تصل إلى 20% في بعض الدول. لا تزال الفتيات يُحرمن من التعليم في أماكن كثيرة.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، هي قصص إنسانية متوقفة، وأحلام مؤجلة، وطاقات معطلة. إن الاحتفال باليوم العالمي للمرأة هو تذكير بأن العدالة ليست ترفًا، بل هي شرط أساسي لاستمرار المجتمعات وازدهارها.
العلاقة بين الرجل والمرأة ليست لعبة محصلتها صفر، حيث يكسب أحدهما على حساب الآخر.
بل هي شراكة قوامها التكامل. الرجل والمرأة كجناحي طائر، لا يستطيع الطيران إلا بهما معًا. كلما ازدهرت المرأة، ازدهر المجتمع.
كلما مُنحت فرصًا متكافئة في التعليم والعمل والقيادة، عاد ذلك بالنفع على الجميع.
الدراسات الاقتصادية تؤكد أن سدّ الفجوة بين الجنسين يمكن أن يضيف تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد العالمي.
لكن الأهم من الاقتصاد هو الإنسان، فالمرأة المتمكنة هي أمٌ لأجيال واعية، وقائدة لمجتمعات متسامحة.
تمكين المرأة ليس هبةً تُمنح، بل هو حقٌ يُسترد.
يبدأ من التعليم النوعي الذي لا يكرس الأدوار النمطية، بل يطلق العنان للخيال والطموح.
يستمر بتوفير بيئات عمل آمنة وداعمة.
يصل ذروته بالمشاركة الفعلية في صنع القرار، ليس فقط في القضايا "النسوية" التقليدية، بل في كل ملفات المجتمع: الاقتصاد، السياسة، البيئة، التكنولوجيا، والفن.
في هذا اليوم، دعونا نتوقف عن "تكريم" النساء بكلمات رنانة في مناسبة عابرة، ثم نعود لنظام يهمشهن في باقي أيام السنة.
فلنجعل من الثامن من أذار/ مارس نقطة انطلاق نحو واقع مختلف.
نحو مجتمع تكون فيه "الأنوثة" قوة لا ضعفًا، ورؤية لا تهميشًا، وحضورًا لا غيابًا.
الالتزام بالمساواة بين الجنسين ليس إحسانًا، هو التزام بالمنطق السليم. هو إيمان بأن المجتمعات لا تبنى بنصف عقلها، ولا تنهض بنصف سواعدها.
نحو عالم جديد، تُكتب فيه الحضارة بيدين لا بيد واحدة، ويُصنع فيه المستقبل بعيون مفتوحة على كل الاحتمالات.
فالمرأة ليست جزءًا من المجتمع... المرأة هي المجتمع حين يكون في أبهى صوره.