
الكاتبة والباحثة أ. إيمان أبو شاهين يوسف
هناك أشياء يظن الإنسان أنه قد اختارها بملء إرادته، بينما هي في الحقيقة من اختارته دون أن يدري منذ زمن بعيد. زهرة يحبها ويعشق شذاها دون أي سبب واضح، لون يبعث في نفسه الراحة والسلام أكثر من غيره، رذاذ مطرٌ يشعر أمامه بحنين لا يعرف مصدره، أو دربٌ قديم تغطيه الأعشاب يمنحه إحساساً غامضاً بأنه مرَّ منه قبل أن يولد. ولعلَّ الزهور أكثر هذه الأسرار رِقّةًّ وغموضاً.
فالناس يعتقدون أنهم يختارون الزهرة الأجمل، لكن الأمر أعمق من الجمال بكثير. إنهم دون أن يشعروا، ينجذبون نحو الصورة الرمزية لأرواحهم، أو نحو الشيء الذي ينقصها وتحاول العثور عليه في هذا العالم.
لهذا لا توجد زهرة عفوية تماماً، بل كلّ زهرة تحمل طريقة خاصة بها لفهم الحياة. وفي كتاب لم يُكتَب بعد، كتاب لا يتموضع على رفوف المكتبات، ولا في قاعات المدارس والجامعات، بل يجلس في تلك المنطقة الصامتة من عقل الإنسان بين الذاكرة والحدس.
قد ورد بين سطوره ومرادفاته، أن الأرواح قبل أن تهبط الى هذا العالم، كانت تمرُّ في حديقة خيالية خارقة السحر والجمال، لا تمتُّ لحدائق الأرض برابط أو شبه. في هذه الحديقة لم يكن يوجد فصول او ذبول، ولا مراحل ولا موت، بل كانت توجد زهور ساحرة لكنها ليست بنباتات، بل انها كينونات وجودية. كل زهرة كانت تُمثّل طريقة معينة للشعور بالحياة: الخوف، الشغف، الصبر، الكبرياء، الحنين، العزلة، الرغبة في الخلاص، أو ذلك التعب الخفي الذي يُصيب الروح حين تُحاول أن تبقى نقيّة وسط عالم مزدحم بالأقنعة.
وقيل إن كلّ روح كانت تتوقف طويلاً أمام زهرة بعينها، لا لأنها الأجمل، بل لأنها تُشبِه السؤال الذي ستقضي حياتها تبحث عن جوابه. روحٌ اختارت الوردة الحمراء لأنها ستتعلّم أن الحب يُمكن أن يكون خلاصاً وجرحاً في الوقت نفسه.
وأخرى مالت الى الأقحوان لأنها ستعيش عمرها تبحث عن الضوء حتى في أكثر الأيام برودة. أمّا الذين انجذبوا الى الزهور البريّة، فقيل أنهم أرواح تخاف الترويض،وترى الحريّة أثمن من الطمأنينة نفسها.
ثمّ جاء ذكر الزنبق الأبيض، وقيل عنه في ذلك الكتاب الغامض: "أن الذين أحبوه منذ النظرة الأولى، هم أولئك الذين يحملون داخلهم غرفة لا يدخلها أحد مطلقاً". يبدون هادئين، لكن في أعماقهم حرب طويلة بين نقاء يحاول النجاة، وعالم لا يكفّ عن تلويث كلّ شيء يلمسه.
إنهم لا يكرهون الناس، لكنهم يتعبون سريعاً من الضجيج. ولا يبحثون عن العظمة الصاخبة، بل عن معنى يجعل الحياة أقلّ قسوة على أرواحهم. ولهذا يبدو الزنبق الأبيض دائماً واقفاً كأنه يعرف سرّاً لا يريد قوله.
جماله ليس جمال الإغراء، بل روعة البعد، وكأنه يقول: "اقترب...لكن ليس كثيراً.".
وفي فصل آخر، ورد أن الإنسان لا يُحِب الزهرة التي تُشبِهه فقط، بل أحياناً يُحِب الزهرة التي ِتُمَثِّل ما فقده؛ فالقاسي قد يعشق زهرة رقيقة لأنه تعب من صلابته. والوحيد قد ينجذب الى اليالسمين لأن رائحته تشبه بيتاً لم يجِده بعد.
أمّا الذين يحبون اللوتس، فقيل إن أرواحهم تؤمن، ولو سِرّاً، أن الإنسان قادر على الخروج من الوحل دون أن يتحوّل إليه. وهكذا تصبح الحديقة كتاباً مقدساً للنفوس. فالناس حين يتأملون الزهور، يظنون أنهم ينظرون الى الطبيعة، بينما هم في الحقيقة يقتربون من أعمق طبقات أنفسهم.
وربما لهذا السبب تحديداً، لا يستطيع أحد أن يشرح لماذا يحب زهرة دون غيرها. لأن الروح لا تتكلم دائماً بلغة الفكر، بل أحيانا تختار أن تعترف بنفسها عبر لون، أو رائحة، أو زهرة ترتجف قليلاً في مهب الريح... ثمّ تترك الإنسان طوال عمره يحاول أن يَفهم الرسالة.