
الكاتبة والباحثة الاستاذة إيمان أبو شاهين يوسف
لم يكن الإنسان في أي زمن مضى غارقا بهذا السيل المتدفق من الأصوات والصور كما هو اليوم. سيلٌ يزدحم في العين و يتراكم في الأذن ويُخلِّف في القلب صمتاً موحشاً و في العقل فراغاً عميقاً.
فما شهد عصر اغتراباً أقسى ، ولا عزلة أثقل من هذه التي يعيشها الانسان اليوم.
اليوم، يعيش الإنسان وسط الزحام لكنه يفتقد اللقاء، ويغرق في التواصل لكنه يتعطّش الى الفهم، وكأنه وهو محاط بكل هذا الإتصال الظاهري قد انقطع عن نفسه أكثر مما انقطع عن غيره.
تتكاثر الشاشات أمامه حتى تكاد تحاصره من كل الجهات، وتتقاطع الرسائل حوله كخيوط متشابكة لا تترك لعقله فسحة للتنفُّسٍ.
إشعارات تومض بلا انقطاع، وأصوات تتعاقب كأنها تطالب بحصتها في انتباهه. صور تتبدّل بسرعة تُرْبِك ذاكرته وتضعفه فلا تثبت فيها ملامح المشاهد ولا معالم الوجوه. يَمِدُّ يَدَه الى جهاز فيجذبه آخر، يقرأ سطراً فيقطعه تنبيه، يُحاول أن يُنْصِت فيغلِبُه الضجيج.
لقد تسارعت الحياة حتى كادت تفقد قدرتها على التأمل، وصار الزمن يُستَلهَْك بدل أن يُعاش، وانشغل الإنسان بملاحقة اللحظة قبل أن تفلت منه، غير مُدْرِك أن ما يفلِت منه حقّاً ليس اللحظة بل ذاتَه، وأن الضجيج الخارجي مهما اشتد لا يملأ فراغ الداخل، بل يوسِّعَه ويُعَمِّقَه.
فالضجيج الحقيقي ليس في صخب المدن ولا في تدفق الصور، بل في ذلك القلق الصامت الذي يُثقِْل القلب حين يفقد بوصلته، وفي ذلك التشتت الخفي الذي يُصيب الروح حين تنقطع عن مركزها، وحين يغيب هذا المركز، يتكاثر الكلام وتقل المعاني، وتتعدد اللقاءات ويختفي الحضور، وهو ما عبّر عنه الفبلسوف الألماني هادغر بقوله: " الضياع في اليوميّ أشد أشكال الإغتراب".
هكذا، يجد الإنسان نفسه محاطاً بالوجوه، محروماً من الإلفة. قريبا من الجميع، بعيداً عن نفسه. يتبادل الكلمات دون أن يبوح، ويشارك الصور دون أن يكشف عن وجعه. ويمضي في علاقات كثيرة، لكن نادراً ما يبلُغ عمقاً يطمئن إليه قلبه. إن الوحدة التي تُثْقِل الإنسان اليوم ليست عزلة جسدية، بل اغتراب داخلي، شعور خفي بأن الحياة تُعاش على الهامش لا في الجوهر، وأن الأيام تَمُرُّ بلا أثر، وأن المعنى يتوارى خلف ركام الإنشغالات.
وحين يفقد الإنسان صِلَتَه بمعناه، يتحول العالم الى مسرح واسع بلا مضمون، وتغدو الحركة دوراناً في الفراغ، ذلك الفراغ الذي وصفه الأديب والفيلسوف الفرنسي كامو بقوله:" العبث يُولَد من مواجهة نداء الإنسان بصمت العالم". فالإنسان يستطيع أن يتحمل الآلم إذا عرف غايته، وأن يصبر على المشقة إذا لمس جدواها، لكنه ينهار حين يشعر أن وجوده بلا اتجاه، وأن جهده بلا دلالة، وأن أيامه تتشابه حتى تفقد طعمها ولذّتها.
وربما جاءت هذه الوحدة لتكون نداءً خفيّاً لا عقاباً، دعوة الى التوقف لا الى الهروب، والى الإصغاء لا الى الضجيج، والى العودة لا الى التيه والضياع.
ففي الصمت، يستعيد الإنسان قدرته على رؤية نفسه، وفي العزلة المؤقتة يَلْمِسُ عمق روحه، وفي المصالحة مع ذاته يبدأ في ترميم علاقته بالعالم.
وحين يجرؤ الإنسان على هذه العودة، لا تعود الوحدة خصماً، بل تتحول الى مساحة من الوعي، ولا يعود الصمت فراغاً، بل يصير امتلآءً لطيفاً، ولا يعود الزمن عبثاً، بل فرصة لِتَجَدُّد المعنى.
في زمن الضجيج، لا يحتاج الإنسان الى أصوات أعلى، بل الى قلوب أصدق، ولا الى سرعة أكبر، بل الى عمق أوسع.
فحين يجد الإنسان نفسه، يخفّ عنه ثقل العالم، وحين يتصالح مع وحدته، تتحول الوحدة من وجع الى حكمة، ومن خوف الى طمأنينة، ومن غربة الى بداية وطن.