
الدكتورة لور عبد الخالق الاعور
رئيسة لجنة الأدب الرقمي
في الرابطة العالمية للدفاع عن اللغة العربية
للحياة عتبات…
عتبة المَولد التي لا تذكرها، وعتبة الممات التي لا تُنذر بها.عتبة الحب الأولى، حيث للقلب ركبتان ترتجفان.وعتبة الفراق الأخيرة، حيث للروح جناح يتكسر كزجاج.
عتبات استرجاعيةتمشي عليها حافياً فتجرحك شظايا الزمن،تسمع فيها صوت من رحلوا كأنهم يهمسون خلف ستائر الغيب،تشم رائحة المطر القديم في معطف أمك المعلق منذ ثلاثين عاماً،ترى نفسك طفلاً تركض خلف فراشة، ولا تدري أنك تركض خلف عمرك الذي سيمضي.
عتبات استباقيةتسند ظهرك إلى جدار الغد فتسمع دقات قلوب لم تولد بعد،تحتسي قهوة الصباح مع امرأة لم تلقها بعد،تمشي في شارع لم يُرصف بعد،تكتب قصيدة لم تخلق كلماتها بعد.
أما عتبات الذاكرة.. فلها وحدهاتلك التي تمشي عليها فتزهر جراحك لوتساً،ليس لأن الجمال يغطي على الألم،بل لأن الألم نفسه تعلَّم كيف يكون جميلاً.
وعتبات النسيانهي وحدها من لا عتبة لها،مثل باب في العراء،لا تدري أتدخل منه أم تخرج.
أنت يا من تقف على هذه العتبات،لا تكتف بالعبور،بل اجعل من كل عتبة بوَّابةً تُذهِل الكون.
فالإنسان الحقيقي من يكتب على عتبات القلوب لا على صفحات الورق،من يرى في دمعة اليتيم محيطاً،وفي ابتسامة العجوز شمساً لا تغيب،وفي صمت القبور زحفاً للولادات الجديدة.
وأنت بين هذه العتبات كلها،تقف كمن يمسك خيوط النور بيد،وظلال الغيب باليد الأخرى،فتنسج رداءً للدهشة،وقبعة للفرح،وحذاء للسفر إلى ما لا نهاية.
فامشِ على عتبات الوجود كأنك تخترع المشي كل يوم،ولتكن كلماتك عتبات لا تغلق،بل تفتح على أبدٍ لا ينتهي.
أنت الإنسان.. والعتبات تصفق لك.