لها ،،، 🍂- الدكتور عماد الاعور

الدكتور عماد الاعور


الأمّ كيانٌ يتجاوزُ حدودَ التّعريف، فهي المعنى الّذي يسبقُ اللّغة، والنّبعُ الّذي تتشكّلُ منه أوْلى صورِ الوَعْي. حضورُها امتدادٌ للزّمن حين يصيرُ حنانًا، وتجسّدٌ للمعنى حين يتّخذُ هيئةَ عطاءٍ. 

في ملامحِها تُقيمُ البداياتُ، وفي صوتِها تنعقدُ الطّمأنينةُ، ومن كفّيها يتعلّمُ القلبُ كيف يثقُ بالحياة. 

الأمّ ذاكرةٌ أوْلى تسكنُ الإنسانَ قبل أن يعرفَ اسمَه، وملجأٌ داخليٌّ يعودُ إليه كلّما ضاقتِ المسافاتُ وتكاثفتِ الأسئلةُ.
هي الزّمنُ حين يهدأُ، والوَقتُ حين يتحوّلُ إلى حِضْنٍ. 

معها تتعلّمُ الأشياءُ أن تبقى، ويتعلّمُ الألمُ كيف يلينُ، ويتعلّمُ الخوفُ كيف يتراجعُ. 

الأمّ طاقةُ حياةٍ تسري في التّفاصيلِ الصّغيرةِ، في الخبزِ الّذي يُعدّ بمحبةٍ، في الدّعاء الّذي يسبقُ الخطواتِ، في السّهرِ الّذي يحرسُ الأحلامَ. 

كلُّ ما في وجودِها يعملُ بصمتٍ عميقٍ، كأنّه يعرفُ أنّ العطاءَ الحقيقيّ لا يحتاجُ ضجيجًا كي يكونَ عظيمًا.
حين تغيبُ الأمّ عن العينِ، يظلُّ أثرُها مقيمًا في الرّوحِ. 

يبقى صوتُها دليلًا خفيًّا، وتبقى وصاياها جسورًا نعبرُ بها المواقفَ الصّعبةَ. 

الغيابُ هنا يتحوّلُ إلى شكلٍ آخرَ من الحضورِ، حضورٍ يشتدُّ كلّما اشتدّتِ الحاجةُ، ويتجلّى كلّما لاحتْ لحظةُ ضعفٍ. 

فالأمّ لا تنقطعُ، وإنّما تتغيّرُ طرائقُ قربِها، وتستمرُّ كمعنى حيٍّ يتجدّدُ مع كلِّ خطوةٍ صادقةٍ في طريقِ الأبناءِ.
في عيدِها تحتفلُ بها الطّبيعةُ من حيثُ لا نشعرُ. الهواءُ يصيرُ ألينَ، والضّوءُ أكثرَ دفئًا، والأرضُ أقربَ إلى القلبِ. 

كأنّ الكونَ كلَّه يعرفُ أنّ للأمّ مكانةً تتجاوزُ العاداتِ والمناسباتِ، مكانةً ترتبطُ بجوهرِ الوُجودِ نفسِه. 

الزّهورُ الّتي تتفتّحُ، والطّيورُ الّتي تعودُ إلى أعشاشِها، وحركةُ الفصولِ في انتظامِها، كلُّها إشاراتٌ خفيّةٌ إلى تلك الحكمةِ الّتي أُودِعَتْ في قلبِ الأمّ منذُ البدءِ.
الأمّ سرٌّ من أسرارِ الخلقِ، فيها يتجلّى الدّورُ الإنسانيّ في أصفى صورِه. 

قدرتُها على الاحتمالِ تفوقُ القياسَ، وصبرُها يتجاوزُ المنطقَ، وحبُّها يعملُ دون انتظارِ مقابلٍ. تحملُ المشقّةَ وتزرعُ الأملَ، تتعبُ وتواصلُ، تنكسرُ أحيانًا وتنهضُ في داخلِها آلافَ المرّاتِ. 

في هذا العُمقِ تتشكّلُ عظمتُها، عظمةٌ هادئةٌ لا تطلبُ اعترافًا، وتستمدُّ قيمتَها من صدقِ الفعلِ لا من كثرةِ القولِ.
هي جسرٌ بين الغيبِ والحضورِ، بين الفكرةِ وتجسّدِها، بين الحلمِ وإمكانيّةِ تحقّقِه. 

حين يتيهُ الإنسانُ يجدُ عندها المعنى، وحين تظلمُ الدّروبُ يُشعلُ نورُها أوّلَ شمعةٍ. الأمّ مدرسةٌ غيرُ معلنةٍ، تُعلّمُ بالحضورِ، وتربّي بالقدوةِ. في سلوكِها يتعلّمُ الأبناءُ معنى الكرامةِ، وفي صبرِها يتعلّمون معنى الاستمرارِ، وفي محبتِها يتعلّمون كيف يكونُ الإنسانُ إنسانًا.
الحبُّ الّذي تحملهُ الأمّ شعورٌ عابرٌ، إنّه حقيقةٌ مُؤسِّسةٌ، وميزانٌ داخليٌّ يُعيدُ ترتيبَ العالمِ. بهذا الحبِّ يتطهّرُ الصّدقُ، ويتجلّى الحقُّ، وتبلغُ الإنسانيّةُ ذروتَها الممكنةَ. 

النّورُ الّذي يفيضُ منها امتدادٌ للإشراقةِ الأُولى في نظامِ الكونِ، إشراقةٌ تجعلُ الحياةَ قابلةً للاحتِمالِ، وتجعلُ المعنى أقربَ من العبثِ. 

وجودُ الأمّ يخطُّ هذا التّفرّدَ في الحياةِ، تفردًا يقومُ على الرّحمةِ والرّعايةِ والوفاءِ.
رحمةً وسلامًا لكلِّ أمٍّ غادرتْ عالمَنا وبقيتْ حاضرةً في القلوبِ. 

ذكراها تتحوّلُ إلى طمأنينةٍ، وروحُها تواصلُ السّيرَ في أبنائِها، في اختياراتِهم، في قيمِهم، في قدرتِهم على الحبِّ. 

هؤلاءِ يحملونها دون وعيٍ، ويعكسونها في مواقفِهم، كأنّها تواصلُ رسالتَها عبرَهم.
ونسألُ اللهَ طولَ العمرِ والبركةَ لكلِّ أمٍّ حاضرةٍ تُضيءُ الوُجودَ بصمتِها. 

وجودُها يمنحُ الحياةَ اتّساعًا، ويمنحُ العالمَ معنىً أعمقَ للمحبّةِ والرّحمةِ. هي الدّعاءُ الّذي يمشي على الأرضِ، والنّعمةُ الّتي تتجدّدُ كلَّ يومٍ، والميزانُ الّذي يُعيدُ للإنسانِ ثقتَه بالخيرِ.
فطوبى لمن كان في قلبِه أمٌّ، حيّةً كانت أو مقيمةً في الذّاكرةِ. 

طوبى لمن تعلّمَ منها كيف يحبُّ، وكيف يصبرُ، وكيف يُعطي دون حسابٍ. 

فوجودُ الأمّ في القلبِ علامةٌ على حياةٍ لم تجفَّ منابعُها، وروحٍ ما زالتْ قادرةً على النّورِ.