"مفقودة أم مفروضة : استعادة الهوية في عالمٍ مُجزّأ"

سامي الحلبي - باحث وناشط حقوقي

غالباً ما يُنظر إلى الهوية على أنها شيءٌ ثابت؛ جوهرٌ مستقرٌ يُعرّفنا ويحدد من نكون. غير أن الهوية، في الواقع، أكثر هشاشةً وديناميكيةً بكثير. فهي قد تتآكل بصمتٍ بمرور الوقت، أو قد تُنتزع قسراً، أو يُعاد تشكيلها، أو تُقمَع بفعل قوى خارجية. 

ورغم أن هاتين الحالتين-الهوية المفقودة والهوية المسروقة، قد تبدوان متشابهتين في الظاهر، إلا أنهما تنبعان من أسبابٍ مختلفةٍ جوهرياً وتتطلبان استجاباتٍ متباينة.
فالهوية المفقودة تنبثق من الداخل؛ إذ تتلاشى نتيجة الإهمال، أو الارتباك، أو الانقطاع عن القيم الخاصة بالفرد، أو ثقافته، أو غاية وجوده. 

أما الهوية المسروقة، على النقيض من ذلك، فتُفرض من الخارج؛ سواءً عبر الاستعمار، أو الطمس الثقافي، أو الإكراه، أو الضغوط المنهجية التي تُجرّد الأفراد أو المجتمعات من حسّهم الأصيل بذواتهم.
إن استيعاب هذا التمييز أمرٌ جوهري. 

فإذا ما أخطأنا في تشخيص المشكلة، فإننا نخاطر بتطبيق الحل الخاطئ؛ فإما أن نحاول "استعادة" شيءٍ قد سُلب منا ظلماً دون معالجة ذلك الظلم، وإما أن نلقي باللوم على قوى خارجيةٍ في أمرٍ يُعد في حقيقته انزياحاً داخلياً. وعليه، فإن التحدي هنا ذو شقين: استعادة ما فُقد، وحماية وترميم ما سُلب، وصولاً في نهاية المطاف إلى بناء هويةٍ أكثر صلابةً ومرونةً مما كانت عليه من قبل.
التمييز الجوهري

1. الهوية المفقودة (الذوبان الداخلي)

تحدث حالة الهوية المفقودة حين ينقطع الفرد أو الجماعة، تدريجياً، عن القيم أو المعتقدات أو التقاليد التي تُعرّفهم وتحدد هويتهم. وقد يحدث هذا نتيجةً لما يلي:التغيرات المتسارعة (الحداثة، الهجرة، التحولات التكنولوجية)غياب التأمل الذاتي أو العيش بقصدٍ ووعي
الضغوط الاجتماعية الرامية إلى الامتثال للمحيط دون وجود إكراهٍ مباشر وكيفية معالجة هذه الحالة:
إعادة النظر في القيم والمعتقدات وتقييمها إعادة التواصل مع التاريخ، أو الثقافة، أو غاية الوجود الشخصية التعريف الواعي والمقصود للذات، بدلاً من الاستيعاب السلبي لما يفرضه المحيطبناء عاداتٍ وتشكيل مجتمعاتٍ تُعزز الهوية التي اختارها الفرد لنفسهوهنا، تتمثل المهمة الأساسية في الاستعادة وإعادة الاكتشاف.


2. الهوية المسروقة (الفرض الخارجي)

تحدث حالة الهوية المسروقة حين تتعرض الهوية للقمع، أو الاستبدال، أو التغيير القسري على يد قوىً خارجية. ويشمل ذلك:

سياسات المحو الثقافي أو الاستيعاب القسريالاستعمار أو الاحتلال التمييز المنهجي أو الإكراه كيفية التصدي لذلك:

الإقرار بالظلم وتسميته بمسمّاه الحقيقي

 الحفاظ على اللغة والتقاليد والذاكرة، وإحياؤها المقاومة الجماعية وإعادة تأكيد الهوية الثقافيةالتعليم والنقل المعرفي بين الأجيال وهنا، تتمثل المهمة في الحماية، والترميم، والمقاومة.

بناء هوية أكثر قوةيشير كلا السيناريوهين في نهاية المطاف إلى الهدف الأسمى ذاته: 

وهو ليس مجرد العودة إلى حالة سابقة، بل بناء هوية أكثر وعياً ومرونة.
إن الهوية الأكثر قوة هي الهوية التي تتسم بكونها: 

قصدية (مختارة بإرادة، وليست موروثة بشكل سلبي)

راسخة الجذور (مرتبطة بالتاريخ والمعنى)

قابلة للتكيف (قادرة على التطور دون أن تتلاشى)

محمية(مقاومة للمحو أو التلاعب)

والمفارقة هنا تكمن في أن كلاً من "الفقدان" و"السرقة" -على الرغم من ألمهما- يمكن أن يتحولا إلى محفزات للتغيير؛ فعندما تتعرض الهوية للمساءلة أو الهجوم، فإن ذلك يفرض حالة من الوضوح بشأن ما يهم حقاً، وما يجب الحفاظ عليه، وما يمكن إعادة تعريفه.
خاتمة تتضمن دراسة حالةيمكن العثور على مثال قوي لهوية صمدت وازدادت قوة تحت وطأة الضغوط في تجربة اليابان خلال القرن التاسع عشر. 

ففي مواجهة نفوذ خارجي طاغٍ وتهديد بالهيمنة الثقافية، اتخذت اليابان خياراً مدروساً: وهو التحديث السريع مع الحفاظ في الوقت ذاته على جوهر هويتها الثقافية.

وبدلاً من السماح لهويتها بأن تضيع من خلال التقليد السلبي، أو أن تُسرق عبر السيطرة الخارجية، عمدت اليابان إلى تبني التقنيات والمؤسسات والأفكار الأجنبية بشكل انتقائي، مع الحفاظ على لغتها وتقاليدها وتماسكها الاجتماعي. وقد مكنها هذا التوازن -أي التكيف دون محو الذات- من البروز كدولة حديثة دون أن تتلاشى معالم جوهرها الثقافي.

وتجسد هذه الحالة درساً بالغ الأهمية: وهو أن أقوى الهويات ليست تلك التي تقاوم كل أشكال التغيير، ولا تلك التي تستوعب كل شيء دون تمييز، بل هي تلك التي تختار بوعيٍ ما تتبناه وما تحافظ عليه.

وفي الختام، وسواء كانت الهوية قد فُقدت أم سُرقت، فإن الطريق نحو المستقبل يتطلب الوعي، والقصدية، والشجاعة. فالهوية ليست مجرد شيء نرثه فحسب، بل هي شيء يجب علينا أن نعمل بفاعلية على حمايته، وصقله، وإعادة بنائه عند الضرورة.