نحن لا نعيش… نحن نؤجّل الحياة _ الإعلامي مشير فياض

نحن لا نعيش… نحن نؤجّل الحياة
لم نعد نعيش كما ينبغي للإنسان أن يعيش.. فنحن صُرنا نُتقن الانتظار.
أننا نؤجل ضحكاتنا إلى يومٍ أقلّ قسوة، ونؤجل الحبّ إلى وقتٍ أكثر أماناً، ونؤجل أحلامنا إلى "حين تستقرّ الأمور"...  لكن الأمور لا تستقر، ونحن لا نبدأ.نعيش وكأن الحياة موعدٌ مؤجل، وكأن أعمارنا حسابٌ مفتوح في بنك الغد، نودع فيه رغباتنا ونؤجل سحبها.. حتى إشعارٍ لا يأتي.وكأن الزمن صار وعداً لا يُنفَّذ، وكأننا نراهن على غدٍ لا نملك ضمانه، ولا حتى ملامحه.
في هذا الشرق المثقل بالخوف، لم يعد الإنسان يقاتل ليحيا، بل ليمرّ يومه دون خسائر إضافية.لم يعد يسأل: ماذا أريد؟ بل: كيف أنجو؟ وهنا، بالضبط، حدث التحوّل الصامت: حين تراجعت الحياة خطوة، وتقدّمت النجاة لتحتلّ مكانها...تحوّلنا من كائناتٍ تحلم إلى كائناتٍ تحسب؛ فنحسب خطواتنا، كلماتنا، وحتى مشاعرنا، كأن الفرح تهمة قد تُدان بها، وكأن الجرأة خطيئة تُدفع ثمنها، وكأن الحياة رفاهية مؤجلة لا يحقّ لنا امتلاكها الآن.
صار الحذرُ غريزة، والخوفُ حكمة، والتأجيلُ فضيلة.وصار الذي يغامر… متهوراً، والذي يحلم..ساذجاً، والذي يحبّ.. غير واقعي.
هناك جيلٌ كامل لم يعش طفولته لأنه كان ينتظر نهاية حربٍ لا تنتهي، ولم يعش شبابه لأنه كان يطارد فرصةً تهرب كلما اقترب منها، وقد لا يعيش شيخوخته إلا محمّلاً بندم ثقيل على كل ما لم يجرؤ عليه..جيلٌ يتقن قول "لاحقاً".. ولا يدرك أن "لاحقاً" هذه ليست وقتاً، بل وهمٌ مريح، ومساحة نؤجل إليها خوفنا من المواجهة، لنتخفّى فيها من مسؤولية أن نبدأ!!
أصبحنا نؤجل الحب، فنلتقي بمن لا يشبهنا لأننا لم نمنح أنفسنا فرصة الاختيار، أو لا نلتقي بأحد لأننا انتظرنا التوقيت المثالي الذي لا يأتي.. ونخاف أن نحب في زمنٍ غير مستقر، فنخسر الحب.. ونخسر الزمن معاً.أننا بتنا نؤجل الاعتراف بمشاعرنا، فنخسرها قبل أن نعيشها، وتتحوّل القلوب إلى أماكن صامتة، مليئة بما لم يُقل.
نتأمل بأحلامنا، فنستيقظ بعد سنوات لنجدها قد صارت تخصّ أشخاصاً آخرين، أو تحوّلت إلى ذكريات باهتة لما كنا نريده يوماً، فبعضها لا تموت فجأة.. بل تذبل ببطء، كلما قلنا: ليس الآن.. حتى يأتي يوم، لا نجد فيه شيئاّ نؤجله، لأن كل شيء قد انتهى بصمت.
أن الأنظمة، الحروب، الفقر، وحتى المجتمع... كلها ساهمت في صناعة هذا الإنسان المؤجل، لكن الحقيقة الأشدّ قسوة أننا لم نعد نقاوم هذا الواقع، بل تأقلمنا معه!! نعم، تأقلمنا مع فكرة ألا نعيش.. حتى صار التأجيل أسلوب حياة، وصار الخوف من الخسارة أكبر من الرغبة في التجربة، وصارت السلامة أهم من المعنى.
لم نعد نحلم بحياةٍ كاملة.. بل بيومٍ يمرّ بسلام.وهذا، بحد ذاته، خسارة لا تُقاس.
نحن لا نخاف الموت بقدر ما نخاف أن نخسر ما تبقى لنا إن حاولنا أن نعيش.نخاف أن نبدأ فنفشل، أن نحب فنُخذل، أن نحلم فنُكسر. فنختار ألا نفعل شيئاً، ونظن أننا بذلك نحمي أنفسنا، بينما نحن في الحقيقة نؤجل خسارة أكبر: خسارة الحياة نفسها.
وفي لحظةٍ ما، قد تكون صادقة، ولا يمكن الهروب منها، سننظر خلفنا لنجد أن الطريق الذي سرناه لم يكن مليئاً بالهزائم فقط.. بل بالفرص التي تركناها تمرّ.سنكتشف أننا لم نكن ضحايا فقط، بل كنّا شركاء في هذه الخديعة؛ خديعة أن هناك وقتاً كافياً لاحقاً، وأن الحياة يمكن أن تنتظرنا، وأن القلب يمكن أن يبقى حيّاً رغم كل هذا التأجيل.
لكن الحقيقة أبسط وأقسى وقعاً تقول:الحياة لا تنتظر أحداً، والوقت لا يعوّض ما لم نجرؤ عليه.وأن الأحلام التي لا تُعاش.. تتحوّل إلى ندمٍ صامت، يرافقنا دون أن يرحل.
في النهاية، لن يؤلمك ما خسرت، بل ما لم تجرؤ عليه.لن تتذكر عدد المرات التي نجوت فيها، بل عدد المرات التي كان يمكنك أن تعيش فيها واخترت التأجيل.
 أن أخطر ما قد يحدث للإنسان.. ليس أن يموت، بل أن يصل إلى نهايته، وهو ما يزال ينتظر أن تبدأ حياته.