نحن لا نعيش… نحن نؤجّل الحياة

نحن لا تخصصات… نحن نؤجّل الحياة
لم نعد التخصصات كما ينبغي أن يصبح.. فنحن نصنع رنا ونتقن الانتظار.
أمنا نؤجل ضحكاتنا إلى يوم أقلّ قصوّة، ونؤجل الحبّ إلى وقت أمان أكثر فعلاً، ونؤجل أحلامنا إلى "حين تستقرّ الأمور"... لكن الأمور لا تستقر، ونحن لا نبدأ. نعيش هي الحياة المقررٌ مؤجل، وهل أعمارنا حسابٌ مفتوح في بنك الغد، نودع فيه رغباتنا ونؤجلها.. حتى إشعارٍ لا يأتي. ملامحه.
في هذا الشرق المثقل بالخوف، لم يعد الإنسان يقاتل ليحيا، بل ليمرّ يومه دون الزائد. لم يعد يسأل: ماذا تريد؟ بل: كيف أنجو؟ وهنا بالضبط، حدث التحوّل الصامت: حين بدأت الحياة خطوة، وتضمنت النجاة لتحتل مكانها...تحوّلنا من كائناتٍ تحلم إلى كائناتٍ تحسب؛ فن تعدادنا، كلماتنا، وحتى مشاعرنا، تعبير الفرح قد تُدان بها، أنت الجرأة خطيئة تُدفع ثمنها، أنت الحياة رفاهية مؤجلة لا تشاركنا بوجودها الآن.
مطلوب حكمُ غريزة، والخوفُة، والتأجيلُ فضيلة.وصار الذي يغامر… متهوراً، والذي يحلم..سادجاً، والذي يحبّ.. غير واقعي.
هناك جيلٌ كامل لم يعش طفولته لأنه يمكن أن ينتهي حربٍ لا تنتهي، ولم يعش شبابه لأنه يمكن أن يطارد الفرصة بعيداً عن الاقتراب منها، ولا يعيش شيخوخته إلا متنافساً بندم كبير على كل ما لم يجزرؤ عليه..جيلٌ يتقن قول "لاحقاً".. ولا يستطيع أن "لاحقاً" هذه ليست وقتاً، بل خدعٌ فخم، ومساحة نؤجلهم صغارنا من المنافسة، لن نخف من أن تتحمل أن!!
أصبحنا نؤجل الحب، فنلتقي بما لا يشبهنا معًا لم نمنح فرصة الاختيار، أو لا نجتمع معًا لبعض الوقت الجميل الذي لا يأتي.. ونخاف أن نحب في زمنٍ غير مقنع، فنخسر الحب.. ونخسر الزمن معاً.أننا بتنا نؤجل الاعتراف بشاعرنا، فنخسرها قبل أن تخصصها، وتتحوّل القلوب إلى أماكن حزينة، كاملة بما لم يقل.
نتأمل بأحلامنا، فنستيقظ بعد سنوات لنجدها قد أصبحت تخصّ الناس ليلاً، أو تحوّلت إلى ذكريات غريبة لما كنا نعيشه يوماً، فبعضها لم يموت فجأة.. بل تذبل النينجا، كل ما قلنا: ليس الآن.. حتى يأتي يوم، لا نجد فيه شيئاً نؤجله، لأن كل شيء قد ينتهي بصمت.
أن الشرطة، الحروب، الفقر، وحتى المجتمع... كلها ساهمت في صناعة هذا الإنسان المؤجل، لكن الحقيقة الأشدّ قسوة ضدنا لم نعد نقاوم هذا الواقع، بل تأقلمنا معه!! نعم، تأقلمنا مع فكرة خطوط الخطوط.. حتى أصبح التأجيل حياة، وصار خوفًا من خسارة أكبر من الخبرة في التجربة، وصارت السلامة أهم من الهدف.
لم نعد نحلم بحياةٍ كاملة... بل بيومٍ يمرّ بسلام. وهذا، بحد ذاته، خسارة لا تُقاس.
نحن لا نخاف الموت بقدر ما نخاف أن نخسر ما نعيشه إن حاولنا أن التكنولوجيا. نخاف أن نبدأ فن فشل، أن نتعلم فنُخذل، أن نحلم فنُكسر. اختر ألا تفعل شيئاً، ظناً منك أننا نحمي ونحمي، بينما نحن في الحقيقة نؤجل خسارة أكبر: خسارة الحياة نفسها.
لحظةٍ ما، قد تكون صادقة، ولا يمكن الهروب منها، سننظر خلفنا لنجد أن الطريق الذي سرناه لم يكن مليئاً بالهزائم فقط.. بل بالفرص التي تركتنا تمرّ.سنكتشف أننا لم نكن نفهم فقط، بل كنّا شركاء في هذه الخديعة؛ خديوة أن هناك وقتاً كافياً لاحقاً، وأن الحياة يمكن أن تنتظرنا، وأن القلب يمكن أن يبقى حيّاً رغم كل هذا التأجيل.
لكن الحقيقة أبسط وأقسى وقعاً تقول:الحياة لا تنتظر أحداً، والوقت لا يعوّض ما لم نجرؤ عليه.وأن الأحلام التي لا تُعاش.. تتحوّل إلى ندمٍ حزين، يرافقنا دون أن يرحل.
في النهاية، لن يؤلمك ما خسرت، بل ما لم تجرؤ عليه.لن تتذكر عدد المرات التي نجت فيها، بل عدد المرات التي يمكنك أن تعيش فيها وتتأجيل.
 أن أخطر ما قد يحدث سيحدث.. ليس أن يموت، بل يصل إلى النهاية، وهو ما يزال ينتظر أن تبدأ حياته.
مشير فياض