" وردة آذار ..و ضريبة الحسن و الكمال"

خلود رجا مرعي 

أستاذة محاضرة

 باحثة و مدربة دولية معتمدة و كاتبة .

في الثامن من آذار يوم المرأة العالمي ، 
" وردة آذار ..و ضريبة الحسن و الكمال " 

جميلة هي…

جميلة الوجه والملامح، جميلة في روحها ورجاحة عقلها، واثقة في خطواتها.
حين تمشي على الأرض، تحفظ وقعها ومستوى الصوت الأنثوي الرقيق الذي لا يعلو ليسمع.بلغة الجسد، حين تشير بيدها، تكون إشاراتها نموذجًا في مقاييس الحركة.
حركاتها كأنها بميزان الذهب؛ تتحرك كموج البحر بعد أن ألقى تحية رقيقة على الشاطئ.في نظرتها الواثقة، التي تهندسها مع حركة الحاجب، تلك النظرة التي لا تصرخ حتى تثبت حضورها.

هي لا تتحدى أحدًا، لكنها تثبت تفوقًا صامتًا، كأنها لوحة رُسمت بألوان الاتزان والوعي والهيبة التي لا تُكتسب، إنما تُخلق مع أصحابها، وتكبر كما تكبر الظلال حين تميل الشمس إلى الكمال.

لكن…

كيف لكل هذه الصفات مجتمعة، وهذا الحسن والحضور الطاغي، أن يكون عبئًا على هذه الأنثى؟عبئًا يسكن تفاصيل أيامها؛ عبئًا يشبه التاج الذي يلمع في عيون الناس لكنه يثقل رأس من يرتديه.كل هذه الصفات صنعت جدارًا عازلًا بينها وبين الآخرين،الذين يرونها أكبر من قدراتهم العقلية والثقافية؛ أولئك الذين يخشون المرايا الصادقة والعقول الواضحة.وجدارًا آخر بينها وبين النساء اللواتي لا يردن صحبتها، خشية ازدراء الرجال لجمالهن وإدخالهن في مقارنة تنتهي لصالحها قبل أن تبدأ.مقارنة صامتة… لكنها جارحة.
تُعقد في العيون قبل الكلمات،وتُحسم في الهمسات قبل أن تولد الجمل.تكاد تسمع الثرثرة في محيطها ودائرة عملها، وكأن حضورها يوقظ في الآخرين نقصًا لا ذنب لها فيه، ويفتح في داخلهم أسئلة لا يجرؤون على مواجهتها.فتسأل نفسها:
هل يكون لهذا الحسن وهذه الصفات الاستثنائية، في هذا الزمن، عبء وآثار سلبية؟

نعم…

حين يجتمع الحسن مع الشخصية المتفردة والصفات الاستثنائية والمزايا الحميدة، يصنعون رهبة ومقامًا يتحاشى الكثيرون الاقتراب منه، خشية ظهور الفوارق والكشف عن الضعف الكامن في الشخصية، واهتزاز الثقة التي طالما توهموا صلابتها.فيختارون البعد، وكأنهم يحمون أنفسهم، لا يبتعدون عنها.أما البعض الآخر، فقد يصنعون تجاهها كراهية من الحسد والغيرة؛ كراهية نابعة من ذات الرهبة التي تحيط بها أينما حلّت.كراهية تلبس ثوب النقد وتختفي خلف أقنعة المزاح، فيجتمعون محاولين كسرها عبر اتفاقات صغيرة وترتيبات خفية ومواقف تبدو عابرة لكنها محسوبة، ومكائد تنتهي كما بدأت بطيش الصبيانية، ممهورة بطابع الفشل.لأن العظمة لا تُكسر بالاجتماعات، ولا تُهزم بالهمسات.

هكذا يكون للحسن المتكامل آثار جانبية وأعباء حياتية لا نتخيل كيف لأنثى استثنائية أن تواجهها وتتحملها، وربما تتعايش معها بشكل يومي.تبتسم في وجه الآخرين كأنها لم تُجرح،تمشي بثبات كأن الطريق لم يكن حافلًا بالأشواك، وتحسن الظن بالحياة رغم كل الدروس القاسية التي تعلمتها.

وربما يأتي يوم نرى فيه، بجوار ضريبة الدخل وضريبة العقارات، ضريبة جديدة تسمى: "ضريبة الحسن"!

ضريبة لا تُفرض على المال… بل على الروح،يدفعها أصحاب الوجوه المضيئة.

هي أنثى، رغم كل اكتمالها، لكنها بسيطة.تحتاج من لا يخاف ضوءها.
لا تبحث عمّن يصفق لجمالها، بل عمّن يفهم صمتها.لا تنتظر من يندهش بها، بل من يرى في قوتها طمأنينة لا تهديدًا،وفي استقلالها نضجًا لا تمردًا،وفي صمتها حكمة.

أكثر ما يتعبها المساحات الصامتة، والمجاملات الناقصة، والضحكات التي تُطلق بحذر، وكأن حضورها يرغم الآخرين على الوقوف باعتدال أو على ارتداء نسخ أفضل من أنفسهم، ولو مؤقتًا.وحين ينطفئ ضجيج النهار، تعيد ترتيب الأسئلة التي تثقل روحها:هل كان عليّ أن أكون أكثر وضوحًا؟
أقل حضورًا؟
أقل اكتمالًا؟وهل يدفع الإنسان ثمن الضوء الذي وُهب له دون أن يطلبه؟

تضحك من سذاجة السؤال… لكنها لا تنكر ثقله.

هي لم تختر أن تكون مختلفة، لكنها اختارت أن تكون صادقة.
والصدق في هذا العالم شكل آخر من أشكال الغربة.فالعالم يتسامح مع الجمال، لكنه يتحفظ أمام العمق.
يتقبل الحضور، لكنه يرتبك أمام الوعي.لذلك لم تكن وحدتها فراغًا، إنما اصطفاء؛
عزلة تشبه الأماكن العالية التي لا يصلها الجميع، لكنها تمنح من يبلغها رؤية أوضح وهواء أنقى ونفسًا أطول.

هي تؤمن أن الله لا يضع الجمال في قلب واحد عبثًا،
ولا يجمع الرقة والقوة في روح واحدة دون حكمة.وإن ما يبدو لها نقمة قد يكون في عمقه حماية خفية من أشياء لا تشبهها.هي التي تؤمن أن الخير والحب قيمة نادرة لا تُقاس بعدد الكلمات بل بعمقها، وأن المرأة القوية لا تحتاج من ينقذها… بل من يفهمها.

وفي نهاية الطريق ستدرك أنها كانت ببساطة تنتظر مكانها الصحيح وزمنها الصحيح، وأن كل ما مرت به لم يكن عقابًا، بل تدريبًا على مستقبل يليق بها.

حين يراك البعض مرآة تكشف نقصه، سيحاول كسر المرآة لأنه يعجز عن مواجهة هذا النقص.

عندها سيبحث عن عدو خارجي يشخص ضعفه.

يكرهه لأنه ببساطة يرى فيه صورته الناقصة.

عندها تتحول نعمة الحسن إلى نقمة، ويصبح لاكتمال المزايا ضريبة تدفعها المرأة المتفردة في كل جوانب حياتها.لكنها، بثقة الخطوة والحضور والتفوق الصامت، تجعل صمود المرأة مصدر إلهام…
وتبقى شعاع الأمل بقوتها وحكمتها ولطفها وشجاعتها في مواجهة كل التحديات.