حضارات المكسيك....والتقمص!!!

كان ثُعبانُ  الرِيش هو الإلهُ الأسطوري لدى حضارات المكسيك القديمه،  ( المايا ، التولتيك ،الازتك والأولميكس)  .

 وكان يحملُ إسمينِ مختلفين ،  حيث يُطلقُ عليهِ اسم (  كوكولكان )  في مكان  ،  واسم (  كويتزال كواتل )  في مكان آخر من المكسيك  ،
كان لدى تلك الشعوب في تلك الفتره إيمانٌ سائد وراسخ بأن هذا الإله سيعودُ إلى الحياه متجسّداً بهيئة رجل أبيض الوجه وذو لحيهٍ ، قادماً من الشرق ، وسوف تحدثُ تلك العوده حين تصل الحياه إلى نهاياتها ، أو بمعنى اكثر دقّه حين يعمُّ الفساد ويقل العدل .
كان ذلك الإعتقاد من أكبر الحظوظ التي واجهها مغامرٌ متل كروستفر كولومبوس ، لأنه لولا هذا الاعتقاد لكان كولومبوس ورفاقه وليمه رخيصه للصقور والكلاب آنذاك ، جلودهمْ في مكان وعظامهم في مكان آخر .
هذا الهاجس الذي كان متغلغلاً بينهم هو ما جعلهم يستقبلون الوافد الغريب  بصمت وترقّب وخوف ، ذلك الغريب الذي طابق  تماما معتقدهم    حيث جاء على ظهر سفينه قادمه من الشرق  ،  يقالُ حينها  بأن احد ملُوكم قد هَجرهُ النوم لثلاثه أيام و  لم يعرف خلالها مذاق الطعام .

 
تقول روايه كولومبس بأنهُ استغلَ حادثه الكسوف لينجو من غضب متوقع من جانبهم ضمن قصهٍ أشُكُّ شخصياً بصحتها لأن علم الآثار قد أثبت أن تلك الحضارات كانت على عِلم تام بتحركات النجوم والافلاك والتقويم الشمسي والقمري آنذاك .

لكن قبل أن اتطرّق للموضوع الأكثر غرابهً وأهميهً وذهولاً ،
هناك تساؤلٌ بسيط :
ما هي تلك المصادفه الغريبه في المعتقدات بأن الإله او منقذ تلك الحضاره سوف يعود ليساعد شعبهُ ؟
أليست أغلب حضارات الشرق لديها نفس المعتقد ؟

وبالإنتقال الى الموضوع الأكثر أهميّه ألا وهو أن شعوب التولتيكاس في المكسيك هي واحده من تلك الشعوب القديمه التي لديها إيمان بالتناسخ ، وفكرتها عن التناسخ ( التقمص ) تنطلق من علاقهٍ متلازمة بين رحم الأم والأرض ،
فبينما تبتلع الارض في داخلها جسداً فارق الحياه ، يحتضن رحم الأم ولادهً جديده تشير إلى استمراريّه الحياه ،
هذه هي جذور الفكره ،
وبالنسبه للروح ، فمنهم من يعتقد بأنها تبقى محصوره ضمن القبيله او العائله وتنتقل فقط من جسد فارق الحياه إلى آخر وُلِد حديثاً إنما فقط ضمن الاسره او القبيله الواحده ،
ومنهم من يعتقد أن الروح تنتقل من جمادات إلى نباتات إلى حيوانات إلى بشر حسبَ مَهامها .
أليس مستغرباً هذا التطابق لذلك المعتقد مع شعوب الشرق سواء اليونان او الهند او جنوب المانيا وسويسرا او ايرلندا وبعض مناطق النرويج او شمال ايطاليا وجنوب سوريا او منطقه التيبت في الهند او اليابان وغيرهم كثيرون ممن يؤمنون بالتقمص ؟؟؟؟
فما هو مصدر ذلك الاعتقاد وأين كانت بداياته ؟
في إحدى حروب الرومان مع شعوب البرابرة الألمان انذهل الرمان من مدى ازدراء ذلك الخصم الشرس لفكره الموت ومدى صلابه قلوبهم واقتحامهم للموت بلا خوف أو تردد ، حيث أن بعض المؤرخين الرومان ينسبون التقمّص للألمان والسلتيين ،
حدث نفس الشيئ مع مقاتلين اليونان والاغريق المتأثرين بمقوله فيثاغورس التي تجعلهم على يقين بأن ارواح البشر خالده وأنهم سيعودون مرّه أخرى إلى الحياه ،هذا ما جعلهم يقاتلون بشراسة وبدون اي خوف من الموت ،
أحد ملوك النرويج في العصور الوسطى كان لديه إيمان مطلق بقضيّه التناسخ ،،
في الأساطير الايرلانديّه أحد الكهنه إسمه توان كتب عن تجربته الشخصيّه في التقمّص حيث قال :
استنفذَ حياتهُ كإنسان لمده ١٠٠ عام ، ثم صام لمده ثلاث أيام وعاد بشكل غزال لمده ٨٠ عام ، ثم مات وعاد بشكل خنزير بري لمده ٢٠ عام ، ثم مات وعاد بشكل نسر لمده ١٠٠ عام ، ثم مات وعاد بشكل سمك سلمون لمده ٢٠ عام ، ثم حالفه الحظ من جديد ليدخل رحم إمرأه وعاد كإنسان من جديد حيث تذكّر ماضيه البشري قبل أكثر من ٢٠٠ عام ، وتحدّث عن تاريخ ايرلندا تلك الفتره محتفضاً بذاكرته ووعيه الكامل للأحداث السابقه ،
إحدى القصص الايرلانديه التي تحمل عنوان ( المساء في منزل كونان ) تعطي انعكاساً لنفس المعتقد.
في إحدى الأساطير الفنلانديه تتحدث القصه عن شاعره رَوَتْ أنها عاشت في مرحله الطوفان وتحدثت عن تفاصيله ،
كان المعتقد السائد لفترات طويله أن التقمّص كان محصوراً بحضارات الهند القديمه واليونان كثقافتين من أعظم ثقافات العالم القديم ، و بعض سكان شرق المتوسط ، لكن مع اقتحام عالم الآثار وتقدم التكنولوجيا والمعارف يتبيّن يوماً بعد يوم عالميّه الفكره لذلك من المهم تقييم تلك المعتقدات ،
إحدى الأساتذة في جامعه اليونان قسم فقه اللغات اليونانيه القديمه والهندو أوروبية، تقول بأنه ( من المؤكد بأن لا فيثاغورس ولا سقراط او أفلاطون يمكن أن يمثّلوا الأفكار الاغريقيه البدائيّه ، حيث أن نظريه التناسخ متواجده في اليونان قبلهم بكثير وهي مرتبطه ارتباطا وثيقاً بنظريات اخلاقيه حيث إن العوده الى الحياه هي نوع من أنواع العقاب أمّا البقاء في الحياه الاخره دون الولاده من جديد مرتبط بالفضيله والتميّز) .
وهذه رؤيا قريبه جدا من النظريه الهنديه .



هناك تقمّص يُؤطّر البقاء ضمن العائله او القبيله ،
وهناك اعتقادات أخرى بأن الأرواح لا تعود إلى الارض إنما تنتقل إلى حياه اكثر سعاده ،
وهناك اعتقاد بأن الأرواح تترقى عبر التقمصات المتكررة لتستقر أخيرا بعد رحله طويله في مكانها الأصلي حيث السعاده الابديّه وذلك مقرون بالأعمال الصالحة في تقمصاتها ،
يُعتبر سبارتاكوس صاحب القصه الشهيره ، الذي قاد ثوره العبيد الثالثه ضد الرومان قبل الميلاد أحد ابطال التناسخ واحد أبناء القبائل المؤمنة بالتقمص وعوده الأرواح .
ونسور الكاميكاز اليابانيين كانوا على عِلمٍ بأنهم صاعدون إلى السماء بلا عوده جسديّه بعد إيمانهم بتلك الفكره .

بعيداً عن انتمائي الديني كأحد أبناء تلك الشعوب التي تؤمن بفكره التقمّص منذ قِدَمِ الزمان ، ولكونِ بحوثي تأخذ سِمه العلمانيّه بشكل مستمر ، لكن موضوع التقمص الذي آمَنَتْ به الكثير من شعوب الأرض قديماً وحديثاً من مشرقها الى مغربها يُعتبرُ من المواضيع بالغَه الأهميّه في مسيره الإنسان التي تكتنفها الغرابه والغموض .

الموت هو جزء من البرنامج الجيني للكائنات ،فهل التقمّص يا ترى هو احد الوسائل التي استخدمها الانسان لمواساه نفسهِ ولتقبُّلِ فكره الموت ؟
أم أننا لسنا سوى نسخات متكررة لأجيال اصبحت تحت التراب ؟

لكم مني أجمل الامنيات
يزن مشهور أبو لطيف
باحث في مجال العلوم التاريخيه - جامعه المكسيك .