الهوية والزمن الرقمي - أ. إيمان أبو شاهين يوسف

 الكاتبة والباحثة الاستاذة

 إيمان أبو شاهين يوسف


شهدت المجتمعات الإنسانية عبر التاريخ تحولات متتابعة فرضتها طبيعة التطور المعرفي والتقني، إلا أن ما يميّز المرحلة الراهنة هو السرعة غير المسبوقة التي أحدثتها الثورة الرقمية، حيث لم تعد التغيرات تراكمية وبطيئة كما في السابق، بل متسارعة، متشابكة، وعابرة للحدود الثقافية والجغرافية. 

في هذا السياق، تجد المجتمعات المحافظة على الهوية والتقليد نفسها أمام اختبار تاريخي دقيق، يتمثل في كيفية الحفاظ على منظومتها القيمية والثقافية دون أن تتحول الى كيان معزول أو مهمّش في عالم تحكمه المعرفة الرقمية والإقتصاد الشبكي والتواصل السريع والمباشر. 

عِلماً بأن هذه المجتمعات ترتكز في تماسكها على منظومة متجذرة من القيم والعادات والتقاليد الاجتماعية التي تمنح الفرد شعوراً بالإنتماء والإستمرارية التاريخية. 

غير أن هذا التماسك الذي شكّل عبر قرون من الزمن عامل قوة واستقرار، قد يتحوّل في عصر الرقمنة إلى عامل ضغط إذا أدير بمنطق الإنغلاق الكامل. فالعالم الرقمي لا يستأذن أحداً، ولا يطرق الأبواب من الخارج، بل يتسلل الى الداخل عبر جيل الشباب، وعبر التعليم، والعمل، والإتصال اليومي بالعالم، مما يجعل تجاهله أو إنكاره خياراً غير واقعي على المدى الطويل. 

من هنا يبرز التوتر بين الرغبة في حماية الهوية من جهة ، والخوف من الذوبان الثقافي من جهة أخرى. 

فالإنغلاق التام قد يوفر شعوراً مؤقتاً بالأمان الثقافي، لكنه يحمل في جوهره مخاطرا عميقة، لأنه سيؤدي تدريجياً الى فجوة معرفية، وتراجع في الكفاءة الاقتصادية والإجتماعية، وضعف القدرة التنافسية التي بدأت تظهر ملامحها في التنافس الاقتصادي العالمي. 

هذا التراجع يضاف إليه الشعور المتزايد بالإغتراب لدى الشباب الذين يجدون أنفسهم ممزقين بين عالمين: عالم تقليدي يطالبهم بالثبات، وعالم رقمي يفرض عليهم التغيير. 

في المقابل هذا لا يعني بأن يكون التفاعل مع العصر الرقمي بصورة مطلقة  وغير مشروطة. 

وأيضا ولا يعني قبول التفريط بالهوية أو القيم. 

بل يفتح المجال أمام مقاربة أكثر نضجاً تقوم على التمييز بين الجوهر والمتغيّر، وبين ما يشكل أساس الهوية وما هو أداة من أدوات العصر. 

فالتكنولوجيا، في جوهرها ليست منظومة قيم، بل وسيلة يمكن توجيهها إما نحو التفكك، أو نحو التعزيز الداخلي للهوية. 

وعليه يصبح التحدي الحقيقي ليس في رفض الرقمنة أو تبنيها بشكل مطلق، بل في إعادة تأطيرها ضمن منظومة ثقافية واعية. 

وهذا التفاعل الإنتقائي قد يتيح لهذه المجتمعات استخدام أدوات العصر في مجالأت التعليم، والعمل، والإنتاج، دون فتح المجال أمام فوضى القيم. فالتعليم الرقمي، إذا أحسن توجيهه، يمكن أن يكون أداة لتمكين الأفراد معرفياً ومهنياً، وتعزيز الإستقلال الإقتصادي للمجتمع، بدل أن يكون نافذة للذوبان الثقافي. 

كما أن بناء جسور محددة ومدروسة مع العالم الخارجي في مجالات الاقتصاد والتبادل المعرفي يسمح بالحفاظ على الحيوية المجتمعية دون فقدان السيطرة على المسار الثقافي العام. 

وهذا التكيُّف لا يمكن أن ينجح إذا اقتصر على البنى والمؤسسات، بل يتطلب تحولاً أعمق على المستوى النفسي والعقلي. 

فالمجتمعات المحافظة بحاجة الى إعادة تعريف مفهوم الحماية والمحافظة، ليس بوصفهما عزلاً بل بوصفهما قدرة على الفهم والتمييز والإختيار الواعي، والمرونة الذهنية والقدرة على التعامل مع المتناقضات كعنصر أساسي في حماية الهوية والمحافظة عليها بدلاً من تهديدها. 

بهذا المعنى يتحوّل التكيف الاجتماعي من رد فعل دفاعي، إلى فعل استراتيجي واعٍ، يوازن بين الثبات والتغيُّر، وبين الجذور والآفاق المفتوحة. 

فالمجتمعات التي تنجح في هذا التوازن لا تحافظ فقط على بقائها، بل تعيد إنتاج هويتها بصورة أكثر نضجاً وتفهماً، قادرة على التفاعل مع المستقبل دون خوف، وعلى المشاركة في العالم دون أن تفقد ذاتها. بيمنا تلك الخيارات التي تعتمد الإنغلاق الكامل أو الإنفتاح غير المشروط، فإنها غالباً ما تجد نفسها إما خارج الزمن أو ذائبة فيه. 

فعصر الرقمنة لا يَفْرُض على المجتمعات المحافظة على الهوية ولا التخلي عن ذاتها، بل يدعوها الى اختبار عُمْق هذه الذات وقدرتها على التجدد من الداخل. فالبقاء في المستقبل لن يكون للأقوى تقنياً فقط، بل للأكثر وعياً بذاته، والأقدر على تحويل التحديات إلى أدوات استمرارية، في عالم لم يعد يعترف بالجمود، لكنه لا يرحم من فقد جذوره.

المراجع:  
- كتاب صعود مجتمع الشبكات: مانويل كاستلر                                 
- كتاب عواقب الحداثة:  انتوني جيدرز 
- كتاب الأخلاق النيقوماخية: أرسطو
 - كتاب  وحيدون معا: شيري توركل
 - كتاب النظم الاجتماعية:  نيكولاس لويمان